#أحلام_عشماوي.. رائعة الدكتور عبدالرحمن الفار

د عبدالرحمن الفار 




أحلام عشماوي
رواية من تأليف 


الدكتور الجراح المصري الكبير 

عبد الرحمن بيومي الفار 


إهداء إلى زوجته العزيزة




1-
كل إنسان في هذا الكون يتمنى أن يكون له صديق أو صاحب يحبه ويتصادق معه، يحدثه ويتحادث معه , يشكى له همومه ويسمع حلها منه أو نصيحته له.. ولكي تكون هناك صداقة قوية ومتينة بين اثنين، لابد من التصاق الصديقين فترة طويلة من الزمن ..حتى تقوى أواصر الصداقة والمحبة بينهما .

والصداقة تجمع بين إنسان وإنسان أو إنسان وحيوان أو إنسان وطير، ولكن إذا كانت الصداقة بين إنسان وملاك فهذا شيء جميل ، فمن منا لا يتمناها ؟ .

.من منا لا يتمنى أن يرى الملائكة ذات النور الإلهي والجمال الصافي.. الجمال الرباني،

ذات النفس الطيبة الكريمة والخلق الحسن.. من منا لا يريد أن يصادق ملكا من الملائكة يأتيه بأخبار الغيب؟..

.يحكى له عن الجنة وما بها من نعيم ..والنار وما بها من ظلمة ومستبدين ..يحكى له عن قصور الجنة والحور العين ..أو يأخذه في رحلة الى هناك حتى يشاهد جمالهن وحلاوتهن ..ويقطف من ثمار الجنة وأزهارها ..

ويتنفس من عبيق ريحها الجميل ..يبحث فيها عن أحبائه الذين سبقوه وأصدقائه الذين تركوه ليطمأن فؤاده وأيضا يطمأنهم عن أهلهم وأبنائهم



..ومن بعيد يختلس نظرة الى جهنم ليرى فيها الظلمة والمستبدين الذين يكرههم في الدنيا ..الذين ظلموا أهلها وعتوا فيها فسادا ..يملاء ناظريه ويفرح فؤاده بالنظر إليهم في قاع جهنم ، حيث تتلظى بهم النار ، تشتهى بالأقوياء الذين ظلموا والزعماء الذين افسدوا والعلماء الذين ضللوا وافسدوا والساسة الذين باعوا أهلهم وبلادهم وخانوا أوطانهم ..والاغنياء الذين بخلوا ونافقوا واستغلوا واحتكروا قوت شعوبهم، والفقراء الذين نهشوا لحوم بعضهم ..والتجار الذين طففوا وسرقوا وبخسوا ..ورجال الدين الذين بدلوا وغيروا وباعوا دينهم بدنياهم فاصبحوا أسوا من الحمار يحمل أسفارا..



من منا لا يريد أن يمتع ناظريه بمثل هذه المناظر التي تشفى غليله في جار سيء ..أو مدير في العمل متسلط أو صديق خائن أو وزير مختلس ..أو رجل أعمال باع بلده وهرب بقوت أهله.

إن الإنسان يتمنى أن يصاحب جنيا من الجن حتى ينزل به الى الأرض السابعة ..ليشاهد فيها عالم الجن وما به من خوارق وما يحتويه من قوة وطاقه.

.كيف يختفي..؟

وكيف يظهر ..؟

كيف يطير الى السماء..؟

وكيف يهبط الى الأرض..؟

..كيف يخترق السدود ويعدي البحار..؟، كيف يقطع الصحاري والهضاب ؟ كيف يصعد الى أعالي الجبال؟

، كيف يتشكل ويتلون..؟

وكم تكون سعادته إذا أعجبت به جنية من الجنان وتزوجته وأخذته الى تحت الارض، أخذته إلي ما خفي وما عظم من الأمور..وأعطته من الأسرار والقوة الخارقة ما يتمنى...

من منا لا يتمنى هذا الاندماج وهذا التزاوج الإنسي الجني ...وأن ننسى جذور الخلاف الذي بدأ بيننا منذ بداية الخليقة وننحى هذا العداء جانبا..

فكما أننا ننظر إلي كبيرهم ابليس على أنه هو السبب في إخراج أبينا آدم من الجنة وحرماننا من نعيمها وبالتالي خرجنا منها تبعا له نعاني شظف العيش ومرارة الفقر ومذلته وهوان تحكم الإنسان في أخيه الإنسان .. وطاعون الإمراض وأيضا الموت وفراق الاحباب...

فانهم ينظرون إلينا بنفس هذه النظرة العدائية ..واننا سبب تعاستهم وشقائهم وتشردهم ما بين السماء والأرض .. بل والهبوط الى الأرض السابعة .. فلا يستطيعون الصعود الى السماء او حتى الاقتراب منها..والا رصدتهم الشهب الحارقة فاندفعت ورائهم تحرقهم وتبعدهم عن مجالها الطاهر حتي لا يتسمعوا الي أخبار السماء..

إن إحساسهم بالحرمان لهو اكبر من إحساسنا .. فها هو إبليس أبيهم كان كبيرا للملائكة .. وطاووسا في السماء ومن اجل أبينا ادم هبط إلي الأرض ملعونا مدحورا.. لا تقبل منه توبة ولا دعاء إلي يوم القيامة .. وفي الآخرة سوف يكون وقودا للنار هو واتباعه ..

فأي منا أشد ضررا للآخر؟ ..

لقد تاب الله على أبينا آدم ولم يتب على أبيهم إبليس .. فأي منا اشد كراهة للآخر وقد تساوينا في الطرد من الجنة والهبوط منها الى الأرض؟..

فما بالك إذا بصداقة ملكا من الملائكة يسمو بك الى العلو والى السماء.. يحدثك عن السماء الأولى وما فيها من ملائكة وأنبياء والسماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة حتى السماء السابعة يحدثك عن العرش والكرسي وعن اللوح المحفوظ والملكوت الأعلى ..

إنها لأمنية كبيرة وحلم عظيم يتمناه الصغير منا قبل الكبير ورغم كل ذلك كانت تلك الصداقة ..صداقة لا يتمناها أى إنسان أو حتى حيوان.. بل لا يريد أن يسمع بها أو يقترب منها أي مخلوق كان...

فهل يريد إنسان أن يصادق عزرائيل.. ؟

==================================================

2-

لقد كان هذا هو حلم عشماوي ..

ثلاثون عاما يعملان معا.. يرسل عشماوى له بطاقة الدعوه بأن لديه غدا رأسا أو رأسين أو حتى عدة رؤؤس .. ويريد زيارته لأخذ نصيحته وتوجيهاته حتى يسهل عليه مأموريته في قبض أرواحهم والصعود بهم من هذا العالم،

كانت العلاقة بينهما في البداية علاقة عمل فقط .. لا تتعدى سوى دعوته والترحيب بحضوره .. ثم مساعدة عزرائيل له وتوجيهه إليه ببعض النصائح حتى تخرج الروح بسلام .. وتمر الأيام بينهما في جمود وبرود عاطفي .. فلا زيارات أسريه ولا عزومات متبادلة... فبمجرد انتهاء كلا منهما من مأموريته يدير كلا منهما ظهره للأخر في فتور ونفور ويتركه دون حتى كلمة وداع،

في البداية كان عشماوي مرتبكا من هذا الإرتباط ولكن مع مرور الوقت وأيضا بقاءهم معا يوما كاملا وطد تلك العلاقة بينهما تدريجيا وقوى أواثر الألفة والمحبة بينهما ...ففي بعض الأحيان كانا يتلازمان طوال يوم كامل ...يدعوه عشماوى للغذاء معا أو لتناول الشاي أثناء الراحة ... ولكن كان يعتذر عزرائيل بلطف ثم يجلس يداعبه أحيانا وأحيانا أخرى يوجهه لبعض القصور في الأداء والذي كان سببا في صعوبة خروج الروح، ومع مداومة العمل معا والنصح والتوجيه تطورت العلاقة بينهما من علاقة عمل الى صداقة متينة وارتباط قوي يجمع بينهما حتى في الفترات التي يقل العمل بينهما كان يزوره عزرائيل أثناء مروره بالحي الذي يسكنه.. يسال عن أحواله ويطمئن عليه. حتى أصبح اليوم الذي لا يرى عشماوي فيه صديقه عزرائيل يوما ثقيلا محملا بالهموم يظل عشماوى فيه طريح الفراش .. في انتظار زيارة صديقه العزيز وأن يأتيه بأخبار الدنيا أو يهمس في أذنيه بنكتة ضاحكة إلتقتطها أذناه في ضاحية من ضواحي العالم.. إنها صداقة لا يتمناها أحدا منا.. ولكنها أصبحت حقيقة قويه وواقعة ومتينة، يزوره عزرائيل في المنزل.. أو يسيرا معا في الشارع أو يجلسا معا على القهوه.وكأي إنسان كان يريد عشماوى أن يستغل هذه الصداقة لصالحه.. فيسلطه على هذا أو ذاك لكي تزيد مهابته بين الناس أو يزيد سلطانه بينهم فيخشاه الجميع بل ويعملون له الف حساب ، ولكن اعتذر له عزرائيل في لطف بأنه مقيد بجدول زمني وأوامر إلهيه لا يستطيع أن يتعداها.. ولما لم يستطع عشماوي ثنائه عن هذه الأغراض.. تراجع عن مطلبه واكتفى أن تكون الصداقة بينهما صداقة عمل وأخوة فقط، لا صداقة إستغلال سلطة ونفوذ وخروج عن المطلوب.

==================================================




3-

وفي أحدى الليالي وقبل أن يخلد عشماوي إلى النوم تطورت الأحداث بينه وبين زوجته كعادتها وقبل أن تصل إلى عراك ترك عشماوي البيت هربا من تفاقم المشكلة وتعاظمها بينه وبينها مما سوف يؤدي للفرقة بينهما وربما خراب الدار وتشرد الأولاد....

ترك عشماوي البيت وهو لا يدري الى أين تقوده قدماه .... تشابك الماضي بالحاضر حتى كادت تنفجر رأسه من شدة الصداع ... فلا أمل في الإصلاح ولا بوادر لحياة بسيطة هادئة بينهما دون مشاكل أو خلافات، شريط حياته يمر أمام عينيه بآلامها وأحزانها وأفراحها فربما لن يسامح من كانو سببا لهذه الالام والاحزان .

كان يقف عم ادريس على شاطيء النيل منشغلا ببيع البطاطة السخنة للزبائن فالجو مازال باردا عندما شاهد عشماوي يمر عليه دون كلمة واحدة على غير عادته، نادي ادريس عليه قائلا في استغراب

" مالك يا عشماوي ؟ ، زعلان منا الليلة واللا مش عجباك البطاطة بتاعتنا؟ "

افاق عشماوي من غفوته على صوت عم ادريس فالتفت اليه معتذرا

" معلش يا عم ادريس كنت مشغول شوية "

سأله عم ادريس وهو يلف البطاطة السخنة لاحد الزبائن

" مالك الليلة يا ابني؟ شايف مزاجك مش مظبوط؟ "

اجابه عشماوي وهو يتجه نحوه بخطوات بطيئة يعلوه حزن كبير

" ابدا يا عم ادريس ، ما انت عارف المشاكل بتاعة العيال "

ابتسم ادريس وقال ساخر

" يا ابني هيه مشاكل العيال بتنتهي ، واللا ها نصحي في يوم هنلاقيها تاهت مع الأيام ، اقعد على الدكه اللي عندك دي فريح مية النيل على ما اجيب لك البطاطا السخنة اللي بتحبها "

جلس عشماوي على شاطئ النيل فى منطقة هادئة بعيدا عن الضوضاء ، تحت ضوء القمر يبحث عن احد يتحدث معه ، السكون يخيم على المكان، صوت نقيق الضفادع ياتي اليه من بعيد يشق سكون الليل، أمسك عشماوي بحجر وقذف به وسط الماء الساكن فأحدث موجات دائرية متتإلية ومتتابعة تتسع كلما ابتعدت عن مركزها حتى تنتهى وتذوب قبل وصولها الى الشاطيء، امسك بحجر آخر وقذف به وسط الماء متسائلا ومحدثا نفسه " أيها العملاق ، أيها المارد العظيم ، هل أيقظتك من هذا الثبات؟ معذرة إليك ولكن أريد أن أتحدث إليك فهل تفهمني؟ أريد أن أبوح لك بهمومي وأوجاعي أرجوووووووك ألا تنام وتتركني ، وألا تغضب مني أو تثور فتهلكني ، يا من وهبت إلينا هذه البلد الطيبة هل تسمعني؟، كم من البشر مثلي جلسوا إليك وحدثوك عن همومهم وأوجاعهم وآلامهم ، هل شاركتهم تلك الهموم والأوجاع؟ ، كم من الأجداد حملوك رسائل إلينا فهل بلغتنا إياها ؟

أم نحن من الضعف والجهل لا نستطيع فك تلك الشفرات ونعرف رسالة الأجداد إلينا نحن الأحفاد، فهل ستبلغ رسالتي الى هؤلاء الأحفاد الذين سوف يأتون من بعدي؟،

إنها رسالة إعتذار لهم لأننا من الضعف والوهن فلم نستطيع أن نحافظ على مهابتك ومكانتك، وفرطنا في حقوق كثيرة أدت بنا الى ما نحن فيه من تخلف وإندحار، هل تتذكر عروس النيل؟،

تلك الفتاة الجميلة، جميلة جميلات مصر التي زينوها لك لكي تبتلعها في جوفك ارضاءا لك وخشية من ثورتك وغضبك، هل تعلم كم من بنات مصر سيقت اليك في يوم عرسها متزينة بكامل زينتها لكي ترضي غضبك وتحد من ثورتك ؟،

هل تخبرنا كم كان عدد هؤلاء البنات التي لاذنب لهن فيما فعلت بهن؟ هل اسروا لك باسرارهن وكم كن يريدن ان يتمتعن بجمال الحياة؟

وكم كانت تمثل لهن الحياة من جمال ومستقبل تمنو أن يعيشوه ؟،

نعم، أعرف أنك بريء من كل تلك المهاترات والأكاذيب التي الصقوها بك، أعرف أنك منها براء، ولكن هيبتك في عيونهم وخشيتهم من غضبك وثورتك دفعهم لأن يرموا بفلذات أكبداهم الى جوفك السحيق حتى ترضي ،

، اعرف انك بريء من تلك الافعال السيئة التي دنست طهرك ونقائك وصفائك ولكنها عادات وتقاليد ما كان لك عليها سلطان ولو كان لك لسان ينطق لتبرأت من كل تلك الافعال، ولصرخت بأعلى صوتك " يا ناس حراااااااااااااام " ،

سكت عشماوي قليلا ناظرا الى ظلام الكون من حوله وتلك النجوم الزاهرات التي تملا جوف السماء ، ثم وضع راسه بين يديه ، ثم رفع راسه الي السماء مستنشقا بعض الهواء قائلا في تهكم وسخرية

" على كل حال أحب أعرفك بنفسي، محسوبك عشماوي، أحد أفراد هذا الشعب الغلبان، خادمك الأمين عشماوي ، ليس هذا اسمي ولكنه لقبي، فهل في هذا ما يعيب؟

أعمل في اللومان، أعمل في شنق المجرمين والاشقياء والخارجين عن القانون والنظام، أربعون عاما أعمل في شنق هؤلاء الاشقياء، ولكن أحيانا ينتابني سؤال يحير فكري ويشغل خاطري، "هل كل من وقف تحت حبل المشنقة يستحقها؟، هل جميعهم يستحقون الإعدام ؟.."

سكت قليلا ثم اعتدل في جلسته وقال في تاكيد

" نعم إن الغالبية العظمي منهم يستحقون اكثر من حبل يلف حول رقابهم ولكن هناك القليل الذين يقفون تحتها ظلما، أما خارج أسوار السجن واللومان وبعيدا عن حبل المشنقة فهناك الكثير والكثير ممن يستحقون أحبالا تلف حول أعناقهم وليس حبلا واحدا .. يذوبون في المجتمع، يتيهون بين طياته كرجال صالحين تعلو جباههم علامات التقوي وهم للكفر اقرب منهم للايمان ..فهناك القادة الذين قادوا بلادهم الى الدمار والخراب ودفنوا خيرة شباب بلادهم في الجبال واستنزفوا ثروات بلادهم وشبابهم حتى جعلوها تتقبل الصدقات ،.. وهناك الزعماء الذين غرتهم قوتهم فعسوا في الأرض فسادا يدمرون وينتهكون بلادا وشعوبا..يحرقون الحرث والنسل ويدمرون الحياة ..

ان من يقف تحت حبل المشنقة ما هو إلا شخص واحد اعتدى على أخر فقتله ، وربما قتل اثنين أو اكثر وهذا ما يسمى بعاتي الإجرام ..أما من يقتل شعبا بأكمله

وأطفالا بأمهاتهم وشيوخا كبارا ما هو إلا شجاع.. تتناقل أخباره وسائل الأعلام وتتهافت على لقائه الصحف والمجلات .. وتتصدر صوره كبرى المجلات، وتتزين الجرائد بكلماته التي في قوة الدستور و الميثاق ..من أولى بحبل المشنقة ..هذا أم ذاك؟"...

"هل جرب الزعيم يوما أن يعيش في خيام يحيطها الأخطار والأهوال من كل مكان، وان تمطر السماء عليه نارا تكوى بها الأبدان؟

هل جرب الزعيم يوما ان يفقد ابنا أو بنتا أو يجد احد ابنائه قد نهشت امعائه دانة او خربقت جسده اعيرة النيران؟

هل جرب القائد يوما ان تدفن عائلته كاملة تحت الأنقاد فلا يجد منها إلا أشلاءا وعظاما قد بعثر هنا وهناك وفي جميع الانحاء فيتكالب عليها الصقور والغربان؟،

ان بلطجى الفقراء لايعتدى الا على فرد واحد، أما بلطجي الزعماء فانه يدمر شعوبا باكملها وربما الدنيا كلها ... فمن اولى بحبل المشنقه هذا ام ذلك؟

هل تعرف بماذا يحلم الفقراء؟..

هل تعرف نصيب الفقراء مما يتعارك عليه الأغنياء؟

هل تعرف نصيب الضعفاء مما يتعارك عليه الاقوياء ؟

ان نصيبهم الموت والهلاك تحت ثقال الاقدام .. لانهم هم وقود النار ..يقتلون ويحرقون ويعذبون ويشردون ..تهدم مساكنهم وتحرق قراهم ويصبحون للعراء لاجئين فتصبح الارض لهم مهدا ...وبالسماء يتلحفون ، فذنبهم أنهم يحيون على أرض القتال.. أما الذين يحركونهم ففى سعة من العيش ينعمون ، وقصور الحكم يجلسون ..وعلى شاشات التلفاز وفوق صفحات الجرائد هم النجوم يتحدثون ..

هل تعرف بماذا يحلم الفقراء؟

ان حلم الفقير ان يعود الى اولاده ..واهله سالما حيا ..يراهم وتقر بهم العيون .. فلن يصيبه من كعكة القتال شيئا ..الا النار يكتوى بها هو وامثاله فهى ليست لهم ميراث .. وان عاش على ترابها ألاف السنين والأعوام..

هل تعرف بماذا يحلم المشردون فى الارض؟

إن حلمهم ان يعودوا الى ديارهم تجمعهم الليالى والايام مع أهليهم فى أمن وأمان ..والا يدفنون فى الارض تحت الانقاد أو فى الصحراء تحت الرمال او سفح الجبال .. أو يهلكهم الجوع وتاكل اجسادهم الامراض،

" هل رايت يوما ملكا من الملائكة غلبان؟، لم يكن يملك من حطام الدنيا درهما ولا دينار ، وبعد ان يلعب فى الممنوع وتلعب البليه معاه ، هب بقى فوق، بقى رجل اعمال ، يورد ويستورد ، ويملا لنا السوق بالبضاعة الفاسدة اللى بتجيب الأمراض ، وإذا انسد الباب فى وجهه ، كان طريقه للهرب مفتوح ومعاه كل الاموال وأهو الشعب بيلف ويدور ومش لاقى ولا مليم ، وأما اذا ظل الطريق أمامه مفتوح واللمبة ما زالت خضراء ، يعمل غسيل أموال ، ومأدبة إفطار فى رمضان للشعب الغلبان ، وهب بقى فوق ويصبح عضو







برلمان ،لا تفتيش ولا حرمان، وكمان تفتح له قاعة كبار الزوار ، وتمر السموم سواء بيضة او حمرة او أي ألوان، فحصانته الدبلوماسية تحميه من القانون و الشعب عمال يعانى الفقر والحرمان.

وآه لو لعبت البليه وشعللت معاه، وبقى للوزارة كبير، قول ع البلد يالا السلام،

فهو الوحيد اللى ها يحل مشكلة التعليم ويصبح العلم فوق الجميع،

فلا اهل تعبانين ومرهقين، تنزف دمهم الدروس الخصوصية ولا مدرسين كحيانين مش لا قيين لقمة عيش ياكلوها حاف ، وتلاقى العلم يتعبى بالمكيال ، ما هو خلاص قضى على انيميا الاطفال بالبسكوت اللى مليان حديد، مش سم بيموت ويكيد، ما الأنيميا هي سبب تخلف الشعب وسبب اندحاره خلف الركبان،

وبعدين كل خريج ها يلاقى له مكان تحت الشمس يدفى فيه جسمه فى الشتا، حتى لا يعانى من لين العظام.

واه يا سلام لو مسك للتعمير وزير، كانت المشاكل اتحلت كلها ، ومفيش واحد ها يفرش الأرض ويتلحف بالسماء ولا واحد من غير شقة او حتى فيلا وربما قصر كمان ، ما هو ها يلغى قانون الايجار ومش ها يبقى قدام الناس الا التمليك ، علشان الناس المكارين يطلعوا الفلوس اللى تحت البلاطة ويشتروا القصور والفيلات،

اللى فى الساحل الشمالى او الشرقى امال هو بنيها لمين ؟ بانيها للحدادي والغربان علشان تعشش فيها، واللا للصقور تاخدها ببلاش .

واه لو ربنا دعى للشعب وبقى للتموين وزير ، ها يخللى رغيف العيش على البطاقة ، علشان عدم الظلم والمساواة ، والزيت والسمنة والصابون والسكر ها يبقى بالبون ، وبظروفها احنا مش عارفين هم منين ، من مصانع مصرح بها دوليا واللا المصانع اللي تحت البير ، ما هو بير السلم بقي له تمن وبيتأجر في الزمن ده باليورو والدولار،

واهى معدة الشعب تصحن الظلت والحديد كمان ، المعدة اللى بتهضم الفول

اللى بيتعلف بيه الحمير مش هاتقدر تهضم شوية صدى حديد ، واللا حتى زرنيخ نحاس، مش عارف الناس بقى مالها اليومين دول ، الظاهر بقت معدتها زي معدة العصافير لا عادت بتتحمل لا زرنيخ ولا حتى شوية صدى حديد.

وأما لو بقى للزراعة كبير ، ياسلام يا سلام ما هي دي كانت أمنية حياته ،

ما هو في الأصل كان فلاح ، ها يلغي كل البذور والتقاوي القديمة علشان مش

ماشية مع الموضة ،وها يعقد اتفاقيات كتير ، سواء مع العدو أوالحبيب وكل شعوب الأرض وها يجيب تقاوي جديدة كلها ألوان علشان تمشي مع الموضة وتفرح الغربان ،والزرع يكبر ويرعرع وفي آخر السنة مافيش محصول والشعب ياكل طين ويسف تراب ،ما كفاية علىه خضرة الزرع اللي تزغلل العين ولحي الأشجار ، ع الأقل يدفوا ايديهم عليه في الشتا بدل م البابور الجاز اللي بيجيب الحرايق والامراض







وأما الثمار فهترجع للبلد تاني أن ما كنش من عدم الجودة يبقى من كترة المبيدات اللي ملياه ، وطبعا ده ها يملى سوق البلد ويبقى فى متناول الجميع الغنى والغلبان وبالمرة ها يوفر العملة الصعبة اللي ها نستورد بيها البديل ،




وأهو الشعب ها ياكل ،والغسيل الكلوى والسرطان ها يزيد ،وأهو كله ها يموت ، ما الدنيا فانيا ، هو فيه حد ها يخلد؟ ، وبالمرة ها يحد من زيادة السكان وبالمرة وزارة الصحة تشتغل شوية ، أصلها وزارة نايمة دايما فى الخط،

وأما الأرض فكلها كام سنة ونقول عليها يالا السلام ، كام سنة وها تبقى فاضية خالص وتبقي بور وإن شاء الله تبقى ملاعب للأشبال ،وبدل الملعب الواحد يبقى فيه ألف ملعب علشان إكتشاف المواهب والنجوم اللي ها يزغللوا عنينا في السما ، وطبعا كده مشكلة وزير الرياضة انحلت وما فيش عنده حجه بقلة الملاعب وما فيش قدامه إلا الفوز بالدوري والكاس حتى ولو كان كاس العالم كمان ، وخاصة بالمدربين الاجانب اللي مرتبتهم تكفي أكل الشعب الغلبان لمدة عام ،

وياسلام لو الشعب ده أمه دعياله ليلة صفا يبقى وزير للضرايب ، ويرأسوه بيت المال ، وشوف هو ها يعمل إيه ويزود خزينة البلد إزاى ، ما هى حاجة بسيطة خالص، أصل فاتورة الكهربا والميه والتليفون مش مكفية ولا حتى فاتورة نظافة الاحياء، أحدث شىء فاتورة النفس النظيف، قرش صاغ للنفس رايح جاي ، وشوف بقى كام نفس في الدقيقة ،في ساعة في يوم في شهر في سنة على رأي عم حليم ،في كام مليون ،وبكده ميزانية البلد ها تزيد واللى ما يدفعش يروح يشوف له هوى بره غير هوى بلدنا الخالي من العوادم والدخان ، وبكده نقدر نسد مديونية البلد ونوفر كمان ،ويمكن ندين البنك المركزي زي زمان وتتمنى انجلترا وامريكا رضانا لما تتزنق في شوية دولارات، الله يرحمك يا عم حليم لوكنت قلت لنا ازاي كنت بتتنفس تحت الماء كنت حليت مشكلة الشعب الغلبان، كان ساب الارض وعاش تحت الماء بس ياخسارة هناك سمك القرش المفتري والحيتان في كل مكان .

وآه يسلام لو مسك الجيش وبقى وزير للدفاع وعلق على اكتافه كام نجمة ونسر وشوية سيوف خلف خلاف والنور بينعكس منهم يزغلل العين ، ماهو خدم في الجيش ثلاث سنين كان فيها عسكري غلبان ، كام بيان ع السريع كده تلاقي الجيش حرر كل شبر م البلد ، وأهو كلام في الهوا لا هانشتريه ولا هاندفع فيه فلوس ،ما هو الجيش متجيش مش علشان الدفاع عننا ده متجيش علشان يحمي الكبار من ثورة الشعب الغلبان ، علشان يحميهم من ثورة الجياع .

وأما لو بقي للداخلية كبير ، دي اغلي ما يتمني ، ما هو زار سجن المركز بتاعه في السنة اكتر من عشرين مرة ايام زمان ، وعارف أزاي تكتف الأيدي وازاي تكمم الأفواه وازاي يبني داخل كل واحد زنزانة خوف ضلمة وعلي بابها قفل ثقيل وعسكري جاهل بنبوت الغفير كل ما يطل الواحد براسه تلاقي النبوت عليه نازل ويدخل الواحد في غيبوبة ورعشة تشل الجهاز العصبي وتجمد اللسان، وحلني علي ما يفوق ، أهي أيام بتمر عليه وربنا يهون الأيام علي الجميع ".







انشغل عم ادريس بالزبائن وبعد ان هدأ المكان لف له قطعتين من البطاطة واقترب منه ولكن كان عشماوي شارد الذهن لم يشعر بوجود عم ادريس حوله ، ساله عم ادريس وهو يمد يده المرتعشتان اليه بالبطاطا " مالك يا عشماوي مزاجك الليلة مش عال؟ "

اجابه عشماوي والحزن يخيم على وجهه قائلا

" ابدا يا عم ادريس ، الدنيا مش لا قي لها حل، لا لاقي ليا أرض أعيش فيها ولا سما أطير ليها ولا لاقي في أي حته آمان "

ابتسم عم أدريس وهو يجلس بجواره في هدوء




" ومدام الدنيا مش لا قي لها حل ، تعمل في نفسك كده ، ياابني الدنيا عمرها ما بكت على انسان ، عمرها ما حزنت على بشر أي كان، حتى ولا على الرسل والانبياء ، وهتفضل الدنيا تلف وتدور لغاية ما توصل للمجهول اللي كلنا مش عرفناه ، عمرك شفت الشمس غابت في يوم من الايام حزنا على انسان؟،

واللا الليل مطلعش له نهار معلنا اضراب او عصيان؟ ،

يالا يا ابني العجلة بتلف وتدور ولا زم كل واحد ها يدخل تحت درسها وتطحنة الايام "

سكت عشماوي قليلا ثم قال في صوت حزين

" كان نفسي اغير الكون ،

ليه يا عم ادريس الناس بتاكل في بعضها زي الغربان؟"

استند عم أدريس بيديه على عكازه وأسند رأسه على يديه قائلا وهو يتنهد

" بس يا ابني الغربان لها كبير ، الغربان عمرها ما بتنتش في لحم بعضها بعكس الناس ، الغربان لها كبير بتحترمه وله مكان ، الغربان لها عمدة وشيغ غفر ولها محكمة بتعاقب الغلطان"

سكت عشماوي قليلا ثم قال باستغراب

" يعني أحنا أحط م الغربان "

علت وجه عم ادريس ابتسامة ساخرة قائلا

" يا ابني الدنيا هي كده ، فيها الصالح والطالح ، فيها الخير والشر ، فيها الضلام والنور، فيها الانبياء والرسل وفيها مؤمنين بردك فيها كفار ، وزي ما فيها ملايكة فيها شيطاين، عمرك ما هاتعرف الخير الا لما تعرف الشر ، بالكره يتعرف الحب ، وبالصالح يتعرف الطالح ، زي ما بالظلام يتعرف النور "

ضرب عشماوي بيده على الدكة بعنف وانفعال قائلا بصوت مرتفع







" وليه ما يكونش فيها الصالح بس والخير بس والنور بس ، ليه الدنيا الضلمة فيها اكتر من النور، وليه يا عم ادريس الخير فيها محدود والشر ماله سدود؟ "

مد عم ادريس يده الى عشماوي بورقة البطاطة السخنة قائلا في هدوء

" علشان لما تطول عليك الضلمة تشتاق تشوف النور ، ولما يضغط عليك الشر تجري للخير ، ولما يظلمك الطالح تلاقي الصالح اللي يقف وياك "

كان صوت اذان الفجر يشق سكون الظلام ، وقف عشماوي في عجلة وهوينظر الى ساعة يده

قائلا في دهشة واستغراب

" ياه الفجر ادن يا عم ادريس، ولازم اروح علشان عندي شغل بكره بدري في الليمان "

رد عشماوي عليه في هدوء

" طيب يا ابني ، خد حتتين البطاطة معاك ابقي افطر عليهم قبل ما تشرب الشاي"

تناول عشماوي البطاطا من يد عم ادريس قائلا بامتنان

" ماشي يا عم ادريس ، مش عارف اشكرك ازاي ، السلام عليكم"

" وعليكم السلام "

رد عليه عم ادريس وهو يدفع عربية البطاطا في رفق متجها نحو داره وقد اهتم لحال عشماوي وما الم به من احزان .

=========================================================

4-

وفى إحدى الليالي المظلمة وبعد أن يأس عزرائيل من البحث عن صديقه عشماوى.. فلم يجده حتى في جميع الأماكن التي كانا يتقابلان فيها سواء مقابلات رسمية أو غير رسمية ومن وجه بحري الى الصعيد .. حتى شعر بالتعب والارهاق. ولذا قرر عزرائيل ان يصعد ادراجه الى السماء حتى يرجع عشماوي من غيبته والتي لم تحدث منه من قبل ، ولكن ما هي الا عدة خطوات عرج عزرائيل فيها الي السماء قطع فيها عدة الاف من الاميال ، جلس عزرائيل يستنشق بعض الهواء النقي الخالى من العوادم والغبار تحت طيات السماء متذكرا آخر حديث دار بينه وبين عشماوي وحالة الكبت والانطواء التي كان يعانيها والتي كادت تؤدي به الى الانتحار ، ولكنه فجأة تذكر أن عشماوي حدثه كثيرا عن قهوة عنتوش العتره والتي تقع في آخر حارة المظلومين بحي المطحونين في الأرض ،

كان عشماوي إذا همه امرا او انتابته بعض الهموم المعيشية سواء من مشاكل مراته التي دائما في طلب دائم ولا تكف عن قول

" هــــــات ، هـــــــات،"







او احتياجات اولاده السبعة من ملبس ومأكل ومشرب وطعام وكيف انه كان يوزع ماهيته علي هذه الأفواه بالعدل والمساواه دون ظلم او إجحاف

لقد حدثه عشماوي كثيرا عن ايام زمان، أيام ما كان يعيش فردا في اسرة ابيه وكانت ماهيته عدة جنيهات وكام بريزه وكام قرش صاغ، يعطي والده نصفها ويخنسر الباقي لتستولي عليه زوجته المصون وتترك له بعض البرايز وكام قرش صاغ، اهي تكفيه مصروف طول الشهر لما كان عريف بشريطين بيعمل بسجن المركز الذي لا يبعد عن قريته الا عدة كيلومترات يقطعها ذهابا وايابا علي عجلة قديمة إشتراها خردة من سوق الثلاثاء بثلاث برايز وخمسة صاغ مع بعض الكماليات من فانوس امامي وخلفي وكرسي ورا وقدام وايضا عاكس للاشارات علشان لما يبقى راجع بالليل خوفا من الحوادث والتصادمات ، اما ما اقتطعته زوجته المصون فلا يستدل له على عنوان ، اهم بينصرفوا علي الولد والبنت ماهو ما كنش عنده الا اثنين وباقي المبلغ يتوه في دوامة النسيان ، سنة واثنين والاب شايل والزوجة عايشة فى النعيم والهنا ولا في دمغها اب هلكان ولا زوج على قد الحال ، ولما ضاق بيها الحال قالت

"لازم اعيش في البندر، ما هو انا مااتخلقتش اعيش في الفلاحين وسط التراب والطين والناموس والدبان "،

جاب ليها كل البلد من الصغير للكبير ، عمدة وشيخ بلد وعم وخال علشان يرجعوها عن رأيها لكن راسها والف سيف لازم تعيش في البندر وتقول كنا وكان وتبعد عن الناموس والدبان، وبعد ما لف وداخ لقى شقة اوضتين وصاله فوق السطوح بثلاث برايز وسبعة صاغ واهو باقي الماهية هاتعيشهم عيشة الملوك مع بعض الامدادات الدورية المنتظمه وغير المنتظمة في المواسم والاعياد ، اهي تسند معاه بعض الايام، وبعد كام سنه مات الاب وبعدها بشهور ماتت الام كمان وانقطعت الامدادات فلا موسم لعيد صغير ولا كبير ولا موسم في رجب ولا شعبان ، ولا حد عاد بيفتكره في الافراح ولا الاحزان ، ولا حتى الاعياد وكان لازم يربط على بطنه ويشد الحزام علشان يعرف يعيش ويعيش الاولاد ، بعد ما أخد ميراثه ثلاث قراريط وفي الدار خد كام دراع ، باعهم كلهم وعمل جوز كنب وسرير حديد وكسي المراة والاولاد وكان نصيبه منهم جلبيه سكروطه وشبشب وشال .




وكبرت العيال وبقي عنده بدل الاثنين خمسة وسبعة ، العيال بتزيد زى الصاروخ والماهيه بتزحف علي بطنها زحف النعام، اهو علاوة تشجيعية علي عشرة وخمسة في الميه ، والكبير عمال يصدر في فرمانات لمساعدة محدودى الدخل والغلبان ويا تري فين موقع معدوم الدخل من الإعراب؟، وبعدين يصلط الاستقطاعات تنخر في جسد المهية نخر السوس والديدان فلا تبقي منها الا هيكلا عظميا والفتات عمرها ما تكفي عيش حاف لكلب من كلاب البشوات ، ده اذا كان الكلب بياكل عيش من بتاعنا حاف او بيسمع عنه في الجرايد أوالمجلات ، لقد أصابه السكر والضغط وجميع امراض الشيخوخة المبكرة نتيجة لتكرار حدة الاشتباكات بينه وبين زوجته المصون ، خمسة أيام يحضر نفسه لعمل خطوط الدفاع ويشيد التحصينات قبل أن تتسلم يدا زوجته المصونٍ ماتجود به السلطات, يحضر نفسه لعمل جسور الدفاع حتي يقلل خسائر الاشتباكات وخمسة أيام بعدها ليعيد اصلاح ما دمرته وخلفته الانتهاكات والتي تصل ذروتها عند عودته حاملا ما جادت به السلطات من عمل ثلاثين يوما في نصب وعناء، ليجدها جالسة فوق السرير في وضع القرفصاء و

قد رفعت درجة الاستعدادات، يمد يده الي جيب سترته ويخرج ماهيته ثم يضعها امامها في هدوء واحترام ، ولكنها تحملق اليه بعينيها الجاحظتين في غضب مدفون فيمد يده في جيب البنطلون ويضع امامها ما بقي منها من بعض القروش وعدة اربع جنيهات كان ناوي يخنصرها ربما ترميه نفسه علي كباية شاي او سندوتش طعميه او حتى سندوتش ورك سمان ، ثم يستدير في حذر كي يخلع ملابسه وسط حقول من التذمرات والهمهمات ، ثم يلتفت فيجدها قد وزعت الفلوس امامها عدة توزيعات زى لاعب الاكروبات ثم تردد في ايقاع موسيقي تعودت اذناه علي سماعه في نهاية كل شهر في مثل هذه الاوقات ،

" دووول لعم عبده البقال ، "

" ودووووول للست ام علي جارتنا، خدناهم سلف لما كشفنا علي الواد سمير وهو عيان"

"ودول لدروس العيال"

"ودووووول للبنتين اللي في الجامعة ، مصاريفهم، ما هما مش اقل من بنات الجيران ،

واما اللي علي الجنب دول فهما للايجار "،

ثم تضع ما بقي من الماهيه بين كفيها وتهزهم مثل شخليلة العيال وتقول في سخرية واستهزاء

" دول اللي فاضلين يا كبير ،

دول اللي فضلين يا عبعال،

يا ترى هياكلونا لاخر الشهر أزاي يا ابو العيال ؟"

تسكت قليلا ثم تكمل في سخرية واستهزاء

، آه ، يا دوب العيل ربع رغيف حاف، وباليل ينام من غير عشى علي الاقل ينام مرتاح البال لا كوابيس ولا تخاريف احلام "

يهمس عشماوي في نفسه قائلا

" احمدي ربنا انك مابتدفعيش عليهم لا دمغة ولا ضريبة مبيعات ولغايت دلوقتي موصلناش تليفون ولا ميه وربنا علي المفتري اللي فرض علي الكهربا رسم نظافة الاحياء، وهل يا تري احنا في نظرهم ما زلنا احياء ؟".

ولما ضاق بيه الحال وضاق عليه الخناق قبل وظيفة عشماوي اللي رفضها من زمان ، أهو علي الراس هياخد كام جنيه بدل ، بدل رعب وبدل سفر وبدل دعا والبدلات كتير قوي وربك الستار ، واهو بيطبق القانون وعلي الاقل يشفي غليله لما حرامي او مغتلس او مسؤل كبير يقابله علي حبل المشنقة ساعتها ها يشعر بانه خلص البلد من شره واهو الامل في ربنا كبير قادر يغير الحال من حال الى حال، وتصبح الدنيا احلي من الجنة لا فيها ناموس ولا دبان ولا حتي حيتان ولا غربان ما احنا اللي بنجبهم نجري ونههلل ورا اللي معاه فلوس ولما يشخلل ويزغلل عنينا عمرنا ما سألناه انت جايبها منين؟ سرقتنا ولا سممتنا ولا بعتنا بيها واشتريت جنسيه تانيه وبقيت







محصن من المحصنين؟ ، ولا حتي عملنا فيه شكوي لمباحث الاموال العام ، يا تري فلوسه اللي جمعها كانت فين من زمان ، آآآآه ماهو عمل غسيل اموال ونزل منها كل القاذورات والأدران.

كان احساس عشماوي انه خلص البلد من أمثال هؤلاء يغطي علي شعوره بالذنب بانه قد شنق انسان ، لقد شنق احد الظالمين وخلص البلد من شره وجبروته وعبقريته اللي في اختراع القوانين مالوش مثال، يقف عشماوي يلوح بحبل المشنقة امام عينيه هامسا في اذنه

" يا بن ادم ذهب عنك الكرسي وحاشيته واصبحت الان امام عشماوي ومشنقته ولن ينجيك منها الا زلزال، سنين كنت فيها طاغيه ذا قوة وصولجان ، اذقت الشعب فيها الذل والهوان والحرمان ، فلتذهب الي الجحيم بما قدمت يداك وما سطرت من قوانين فيها ظلم واجحاف بالغلبان ، كممت افواهنا وجوعت بطوننا وعريت ظهورنا وكشفت سترنا واسكنتنا مع الاموات في قبور بالايجار وحملت ظهورنا ما تنوء به الجبال , فلتخرج من الدنيا الي نار جهنم غير ماسوف عليك ولا حزنان "

انه حلما يجول بخاطر عشماوي علي ايقاع منتظم من شخليلة يدي زوجته بما بقي فيهما من مهيته من بعض القروش والفكة وقليلا من الجنيهات

يستيقظ عشماوي مذعورا من غفوة غفاها علي سؤالا تمني ألا يسمعه ،

هاتكمل الشهر إزاي يا ابوا العيال ؟

يسكت عشماوي وينظر اليها متجاهلا السؤال حتي يمر الامر مرور الكرام ولكن امام الحاحها في السؤال وتصميمها بان تسمع الجواب ، فعليه أن ياخذ موقع الهجوم فهو خير وسيلة للدفاع ، والا سيظل يتلقي هذه اللكمات علي وجهه دون سابق انذار.

يحملق عشماوي اليها جاحظا عينيه في غيظ ، قارضا على انيابه وتتيبس اطراف اصابعه في شكل دائرة تريد أن تقبض علي عنقها ولا تتركها الا اذا انقطع عنها الهواء ، وتصبح جثة هامدة بلاحراك ،

انه يخرج من الدنيا علي شاكلتها الكثير والكثير ، فهي لا تمثل له الا شعرة في فنجان ، في كثير من الاحيان تمنى أن يكشف لها عن عمله الحقيقي ليبين لها مدي جبروته وقوته فينتابها الخوف والذعر عندما تراه ، ولكن كان يخشي علي اسرته من الضياع ، فربما يتعاظم الخوف في قلبها ولا تجد امامها حلا الا الانفصال وليس الابتعاد عن مكان نومه او حتي تناول الطعام معه خوف أن تكون يداه ملوثة بدماء من يشنقهم من الاشقياء، كان يحول بينه وبين ما يريد احتياج اولاده اليها، فيندفع نحو الباب يغلقه بعنف خلفه فترتج له الجدران وهو يردد

"بكره اطلع السوق وابيع نفسي علشان أأكلك انتي والعيال "

5-

تعود عشماوي منذ أن نزح من قريته واقام بالمدينه أن يجلس في المسجد من صلاة المغرب وحتي صلاة العشاء مستغفرا من ذنوبه وما قدم من هفوات، كي يعود الي البيت متأخرا فلا يكون هناك وقتا بينه وبين زوجته المصون للنقاش والشيجار ، فربما يتطور الحديث معها فينقلب الي عراك ويحدث ما لا يحمد عقباه ، فيتناول العشاء في هدوء ثم يخلد الي النوم متحججا بان لديه عملا شاق في الصباح حتى يغلق بينه وبينها اي باب للنقاش والحوار .

جلس عشماوي في ركن المسجد وحيدا في انتظار صلاة العشاء يعلوه الهم والحزن وقد اسند راسه الى كفيه في سكون وقد غالبه النعاس، اقترب منه عم متولي خادم المسجد وقد ارتبطا معا بصداقة منذ أن نزح عشماوي من القرية، جلس الرجل بجواره في هدوء ثم سأله عن حاله ولماذا هذا الحزن الذي يملئ عينيه، اخبره عشماوي في صوت حزين بان هموم العيال وحملهم بقى كبير وانه غير قادر علي رفع ظهره من كثرة الهموم والاحزان

ولكن الرجل وعده بان ينتظره بعد صلاة العشاء كي يتحدث معه فانه يريده في امرا هام ، وبعد أن انتهت صلاة العشاء ولم يبقي بالمسجد إنسان اغلق عم متولي ابواب المسجد ثم اقترب الرجل منه وجلس متربعا امامه وهو يداعب لحيته البيضاء باطراف اصابعه قائلا في ود وصفاء

" شوف يا بني انا هنا من اكتر من خمسين سنة وعايش بدون ماهية او قرش صاغ وربيت عيالي وجوزتهم زى ما انت شايف والرزق مش علي حد، الرزق علي الله ، وعمري ما بصيت لاي انسان"

نظر عشماوي اليه في تعجب قائلا

" بس الدنيا اتغيرت يا عم الشيخ "

قاطعه الرجل مبتسما

" لاء يا ابني الدنيا ما تغيرتش، الشمس هي الشمس والسما هي السما والارض هي الارض والانسان هو الانسان ، يا بني اللي اتغيرت النفوس ، النفوس يا بني بقت مريضة ، والناس باعت الضمير واللي مش هاين عليه يبيعة اداه اجازه واللي مش عايز يديه اجازة حبس نفسه في الدار ، واللي ضميرة حي مش هايقدر يعيش وسط الحدادي والغربان ، اهو انتحر او علق نفسه على الجدران، وانا مش عايزك تشيل هم، المشوار لسة قدامك طويل والمحطة بتاعتك لسه عليها أميال "

ابتسم عشماوي ثم سأله في شك

" أزاي يا عم الشيخ والحمل كتير والاولاد اكتر والماهية ملاليم وما فيش قدامي غير السرقة او الاغتلاس ""

هز الرجل رأسه مبتسما وخلل اصابع يده في شعر لحيته الكثيف قائلا

" يا ابني القرش الحرام عمره ما عمر بيت ولا رفع جدران ، اسمع يا بني انا لما جيت م البلد ، جيت مطرود بعد ما الفقر عض فيه بانيابه ، هربت باولادي وسط البرد والصاقعة وتحت ظلام الليل ، ولفيت كتير لغاية ما استقرت بيا الدنيا هنا في المكان ده ، وماكنش ليا لا ماهيه ولا قرش صاغ اتسند عليه ضد ظلم الايام وعضة الجوع والحرمان ، اشتغلت في كل حاجة اشتغلت في الفاعل وكناس في الشارع وبواب علي عمارة ولما كبرت وحسيت بالضعف وبعد حادث عربية انكسرت رجلي وما بقتشي قادر علي







الشغل ، شالوني ولاد الحلال كتير ولما اتبني المسجد ده اشتغلت عليه غفير باليل وفواعلي بالنهار، اشيل علي كتفي الظلط والرمل والطوب والتراب ولما كمل بناه عملت فيه زى ما انت شايف اغسل وانظف وأذن للصلاة واحيانا اصلي بالناس "

احس عشماوي بالضعف امام الرجل فقاطعه قائلا ومتسائلا

" وانا داخلي ايه يا عم الشيخ "

ابتسم الشيخ متولي فارغا فاه المظلم فبانت منه سنة وحيدة ناصعة البياض تستند عليها الشفة العليا فتمنعها من الانهيار الى الداخل قائلا

" اهو دخلك هنا يا بني "

سأله عشماوي في لهفة ودهشة

" اوعي تقول لي انك عايزني اشتغل معاك تربي؟ "

هز الرجل راسه بالايجاب ثم قال متعجبا

" وايه اللي يمنعك، هو ده حرام ؟"

رد عليه عشماوي في دهشة

" ازاي يا عم الشيخ ، انا اشتغل تربي ومغسل اموات؟ ، واطلع علي الترب في المواسم والاعياد وكمان الخمسان "

رد الرجل عليه منفعلا

" زي الناس يا خي ، هو انت بتعمل حرام؟

ثم سكت قليلا وقال موبخا له

" وماله يابني هو التربي ده مش إنسان؟ ، هو انت مش بتنفذ الدين اللي ربنا امرك بيه ؟ ، ولو كلنا رفضناه، مين اللي هايغسل واللا يدفن لينا الاموات؟، ها نسيبهم في الشوارع للحدادي والغربان؟"

سكت عشماوي قليلا ونظر الي يديه ثم قال في حرج

" بس العيال؟"

ساله عم متولي بازدراء

" مالهم العيال؟"

اجابه عشماوي في تردد

" خايف م العيال، دول كبروا يا عم الشيخ، وخايف من معايرة الناس؟"




رد عليه عم متولي قائلا في تعجب هازا راسه في سخرية




" العيال ؟، معايرة الناس؟، قول لي مين اللي جابلك عشا في ليلة وخبط عليك وقال لك خد عشا العيال ؟، قول لي مين من الناس اللي صحاك من النوم الصبح وقالك خد فطار العيال ؟" ، يا ابني الكل الدنيا عمياه ، وبعدين انت مش بتعمل حرام، وعلي كل حال هما العيال عمرهم سألوك الفلوس اللي انت بتجيبها، جيبتها منين؟، ويا تري الناس اللي انت خايف منهم وعامل لهم الف حساب لما تحتاج ها يسلفوك واللا ها يشحتوك واللا ها يأكلوا عيالك لما يجوعوا ببلاش؟ ، يا ابني كل واحد هايديك قرش صاغ في الزنقة لابد له يوم ها يطالبك بيه ، ما فيش حد بينسي اللي ليه عند الناس "

سكت عشماوي لحظات وقد جال بخاطره سؤال:

" ما الفرق بينه وبين ما يفعله هو بالاحياء؟ ، إذا كان بينفذ اوامر البشر ايبتعد عن تنفيذ اوامر الله؟

هدهد الشيخ علي كتف عشماوي قائلا " علي كل حال ها أشوف لك منطقة بعيد عن الحي بتاعنا خالص, منطقة راقية علشان مايعرفكش فيها إنسان ويبقي فيها قرش عال,"

ابتسم عشماوي عندما سمع من الرجل هذا الوعد وكأن هذه الكلمات مست وترا حساسا بداخله فقال محدثا نفسه

" أااااااايوه أهي منطقة راقيه دي هي المهمة، أهو علي الأقل اللي هايهرب منى ومش هاقبله علي حبل المشنقة هاقبله علي طبلية المغسلة، علي الأقل ها اشفي غليلي فيه واطلع اللي عملوا فينا في الدنيا علي عنيه"

ولكن بفطرة الرجل وجد عم متولي نظرة تشفي في عيني عشماوي فقال له محذرا وناصحا

" بس أوعي تفتكر يأبني أن اهتمامك بالميت ها يدخله الجنة او إهمالك ليه ها يدخله النار، عمر كتر الميه ما بتغسل ذنوب ولا قلتها بتدخل نار، اللي حصل حصل ، والذنب ها يبقي في رقبتك أنت ، كل اللي بتعمله في الميت ها تتحاسب عليه، وظيفتنا يا ابني نغسله ونطهره ونصلي عليه وندفنه علي القبلة ونرفع ادينا ونقول يا رب وصلناه لبابك طاهر فاقبله واما اعماله فهي متكيسة معاه اما للجنة او للنار "

كانت هذه الكلمات بمثابة دش ماء بارد هدأ من بركان الحنقة والغضب داخل صدر عشماوي فقال للشيخ في هدوء

" ايوه يا عم الشيخ ربنا اللي عليه خلاص الحق"

سكت عشماوي قليلا ثم قال في تردد وخوفا أن يفقد وظيفته الجديدة

" بس أنا مش حافظ القران؟"

ابتسم الرجل وهز رأسه قائلا

" يعني هو أنا اللي كنت حافظه يأبني ، يأبني هو في حد من أهل الميت بيسالك أنت حافظ كام ولا حتي قرأت إيه؟ ، يأبني كله الدنيا لهياه ،"

سكت الرجل قليلا وهو يداعب لحيته البيضاء وقد علا وجهه ابتسامة الراحة والهدوء قائلا







" يا عشماوي اهل الميت بتيجي تفرق اللي هيه جيباه وتروح وبتفتكر بكده انها طلعته من النار ودخلته الجنة ، يا ابني كله الدنيا لاهياه ، علشان الناس ما تاكلش وشهم وتعايرهم بانهم رموا ابوهم وحدفوه في محيط النسيان "

استند الشيخ علي عكازه في محاوله للوقوف فأسرع عشماوي يأخذ بيده ومساعدته للقيام

" يالا يأبني إما نروح ، وفكر في الكلام اللي قلته لك كويس ، وعلي فكرة دي شغلانه مافيش حد ها ينافسك عليها ولا حد ها يتقدم بطلب للحكومة علشان يتوظف فيها ولا محتاجة واسطة لفلان ولا علان "

سكت الشيخ متولي قليلا ثم قال وهو يغلق باب المسجد

" بابها يابني مفتوح من غير واسطة ولا ها تدفع فيها قرش صاغ وعلي كل حال إذا وافقت تعالي ليا بكره بدري في شغلانه في مكان كويس فيها قرش عال "

---

عاد عشماوي الى منزله متحسسا طريقه وسط ضوء الشارع الخافت وهو يردد ما قاله له الشيخ في محاوله لوزن الأمور قبل أن يرفض مثل هذا العرض ثم يندم عليه بعد أن يشغل مكانه احدا أخر ، فما الفرق بين عزرائيل وعشماوي والحانوتي إنهم ثلاثة لعمل شيء واحد وهو توصيل الإنسان إلي مثواه الأخير ، إلي منتهاه بغض النظر عن لونه ، جنسه ، مكانته في المجتمع او حتى فقره وغناه حتى ذنوبه وسيئاته ، فلن يعتذر احد منهم عن أداء عمله لوضاعة حال الميت وفقره او لسوء سير الميت وسلوكه ولا يستطيع أن يقدم عن عمل لم يطلب منه لحسن سلوك صاحبه او أخلاقه او رفع مستواه ،

فهل اعتذر عزرائيل يوما عن قبض روح شخص أي كان ؟

وهل يستطيع عشماوي أن يرفض شنق إنسان مهما كان ؟

وهل يمتنع الحانوتي عن إكمال تشييع جثمان أحد مهما كان ؟

لا يستطيع أحدا منهم أن يتخاذل او يتواني في أداء ما وكل إليه.

لقد جمع عشماوي في يديه وظيفتين من ثلاث عشماوي والحانوتي من غسل الميت وتكفينه ودفنه وبرغم كل هذه الوظائف المرموقة إلا أنها لا تكفيه ولا تشفي غليله ، فلن يرتاح له بال إلا إذا علم كيف يقبض عزرائيل الأرواح ؟، حتي يصول ويجول في الأرض ليس لفساد فيها معاذا الله ، ولكن لجمع الأرواح الشريرة ، الأرواح التي دنست الأرض بما قدمت الى الانسان من شر وما تفننت فيه من اذلال له وامتهان.

6-

بدأت أحوال عشماوي الحياتية في تحسن ملحوظ وخاصة في أيام المواسم والأعياد وأيضا أيام الخمسان وايام الجمع والعطلات ، لقد أصبح يعود إلي منزله محملا بما لذ وطاب من أنواع الفواكه والطعام ، يفرغ جيوبه أمام زوجته وما بها من نقود وسط سيل من




الدعوات بموفور الصحة وطول العمر والبركات، ثم تحمل عنه ما جمعه من طعام أو فاكهة لم تتعود يداه على حملها طوال تلك السنين الخوال ، فواكه شهية وطعام طيب يرجع ذلك حسب ما كان يحبه الميت وما كان يشتهيه حال حياته في الدنيا ، لقد عادت الابتسامة من جديد إلي بيت عشماوي وخفت بينه وبين زوجته حدة التوترات والخلافات

ولكن كل هذا لم يخفف من حنق وحقد عشماوى علي من سماهم المفسدون في الأرض الذين يذيقون أهلها ألوانا شتى من العذاب ، إن بلطجي الفقراء يقتل نفسا واحدة أما بلطجي الأغنياء فإنه يقتل شعوبا بأكملها ، يدوس دولا بأسرها ، يرمل نساء وييتم أطفلا ، يحميه القانون والدستور وتحصنه حصانه المحصنين ، فهو الآمر الناهي والملك المطاع ، من إذا كذب صدق وإذا صدق فهو الهام ونبؤه من الله فهو المفتري عليه دائما وهو الذي إذا مرض أو مات زرفت من أجله الدموع والآهات وشيدت في رثائه مئات القصائد والاف من الأبيات ، هو الفارس الذي يحرر الشعوب ويفرض الأخلاق ، إذا قال فهو الهام من الله يوحي اليه، فما ينطق عن هوى نفس حاش لله، فهو الرسول وهو القائد المغوار ، وهو الفيلسوف والمفكر والسياسي وهو فوق ذلك الافاق ، وهو الطبيب المعالج لكل الالام والاهات والاوجاع ، أقواله دستور يجب العمل بها وأفعاله أمثال يجب الاحتذاء بها، وحركاته وسكناته لحظات وحي فهو الموكل اليه من اله السماء.

أربعون عاما من العمل في انتظار لحظة من اللحظات تتبارك فيها يدا عشماوي بلف حبل المشنقة حول كل طاغي في هذه الأرض وكل فاسد وكل ظالم فيها ، تمني لو كان له جناحان مثل صديقه عزرائيل يطوف بها مشارق الأرض ومغاربها يبحث في دروبها عن مثل هؤلاء المجرمين حتى يطهر الأرض من أمثالهم فيخطفهم خطفا دون إذن او انذار ، ولكن ها هي تمر الأيام دون أن يعرف سر مهنة إزهاق الأرواح او حتى يستغل صديقه عزرائيل في بعض الأعمال الخاصة والتي تطفئ لهيب صدره المتأجج من ظلم الناس،

ولكن عزرائيل يبدوا وبرغم اقتناعه بتلك الآراء إلا انه يرفض حتى لا تكون ذلة يستغلها او يمسكها عليه عشماوي ليجعله يقدم علي بعض الأعمال التي لا يرضاها ، فلا بد من وجود الشر بجوار الخير ، فإذا لم يوجد الشر في الدنيا فلا يمكن أن تعرف الخير بوجهه الجميل ، فلولا النور ما عرف الظلام ، ولكن إذا زاد الشر وتضاعف تحولت الدنيا إلي جحيم لا يطاق وإذا تغلب الظلام علي النور فلا يمكن للحياة أن تدوم .

لقد خلق الله الإنسان واحدا في كل الأطوار ورضي عن تفوقه بالعلم والقوة والمال والجاه والسلطان حتى الحلال والحرام تلك الفوارق التي يحكمها قانون الإله ، ولكن إذا عطل قانون الإله وساد قانون السادة والأقوياء فقل علي الدنيا يلا السلام ، وتحولت الدنيا إلي غابة لا مكان لضعيف فيها إلا في جحور مظلمة تحت الأرض او يظهر خلسة تحت جنح الظلام ، حتى إذا قطع الجوع أمعائه وأحس بالهلاك خرج مستميتا تحت أستار الظلام بحثا عن الطعام فتتلقاه أنياب أسد جائع او تدوسه أقدام الأفيال ، وإما إذا طاب له المكان وأحس بالأمن والأمان ورفع صوته بالغناء او البكاء اختطفته مخالب نسرا جائع او حدأة متربصة فلا يستدل له علي عنوان.













كيف لمن يعيش في السماء أن يهبط إلي الأرض ويحيا في جحور الجرذان تحت سفح الجبال ، كيف لمن يعيش علي لحم نضي واشهي الفواكه والثمار أن يعيش في جحور الأرض علي قرد جذور الشجر وما جف من لحى الأشجار، وبرغم ذلك فإنهم هم الذين يسنون الدستور ويضعون القانون ، كيف تعيش الجرزان في الجحور؟ ،

كيف تشرب ، وكيف تنام ، وكيف تاكل لحى الاشجار؟

هل جربوا العيش في ظلمات الجحور وبرودتها ؟

او تقطعت امعائهم جوعا وتورمت اقدامهم بحثا عن مر الطعام ؟

، هل جربوا الذعر يوما من أن تدوسهم اقدام الافيال؟

فتهدم على رؤسهم جحورهم التي بنوها ربما تداري عوراتهم يوما او تستر اجسادهم إذا عرى اجسادهم الزمان،

هل علم الفيل أن تحت اقدامه إنسان يحيا في جحر مظلم بناه يوما كملاذ امن له يحتمي به عندما تتعرض حياته للاهوال والاخطار ، وبرغم ذلك فان من يطير في السماء يحسد من يعيش على الارض حتي لو كان في جحورا مظلمة معرضة كل ثانية للهلاك والدمار ، إنه لمن العار علي بني الانسان أن تحفظ نعالهم في فترينات من الزجاج اللامع وتحت ساطع الانوار، وان ما يأكلونه ويحيون عليه فوق التراب وعلي ارصفة الشوارع والحارات تهاجمه جيوش البعوض والدبان بما تحمل من كوارث وامراض ، فيا ايها المعذبون في الارض والتعساء هلموا الي يوم الخلاص من القيود والاغلال ، هلموا الي يوما تتعادل فيه كفتا الميزان ، يوم يمتلك فيه عشماوي هذه القوة الخارقة ويعرف اسباب وكيفية قبض الارواح ، فلن يرتاح له بال حتي يقبض علي من في الارض من مفسدين واشرار فتصبح اكثر من الجنة نعيما وامانا ويعيش الناس عليها في سلام ، فيقل الورود الي جهنم ويكفيها ما لقيته طوال هذه السنين والاعوام ، وتزدحم الجنة بالناس حتي لا يصبح فيها مكانا لانسان ويباع فيها المتر بالاف الدولار والدينار، انه سوف يجوب الارض من الجنوب الي الشمال ، ومن الشرق الي الغرب، سيجوب الحواري والحانات والجبال والسهول حتي جحور الفئران ، سيقبض علي كل روح صالت وجالت واذاقت الانسان أي نوع من العذاب، سينقي الارض من كل المفسدين في الارض والاشرار ويغمض العين عن كل صالحا للارض نافع للناس ، ."

7-

فجاة تذكر عزرائيل بعد أن عرج الي السماء عدة اميال بان عشماوي كان إذا زادت عليه الهموم اختلى بنفسه واعتزل الناس ذهب الي قهوة عنفوش العترة والتي تقع في اخر حارة المظلومين بحي المطحونين في الارض ، فعاد راجعا الي الارض في سرعة البرق كي يلحق به قبل ان يتيه بين طيات الحواري وظلمات الحانات ، كان عشماوي جالسا في ركن مظلم بعيدا عن ضجيج رواد القهوة من







المعذبين في الارض والتعساء كان المكان معتما معبئا بالدخان ، وكانت القهوة عباره عن دكان مثلث الشكل مدبب آخره في أخر حاره ضيقه ليس بها متنفس للهواء ولكنها كانت مليئة بجميع انواع البشر وجمعت كل الحرافيش والمعدمين من الناس،

كان عشماوي يجلس وحيدا ولكن عيناه تراقب كل حركاتهم وتلتقط اذناه كل اوجاعهم والامهم فيتباكا علي ما يلاقيه هؤلاء التعساء من ضعف واضطهاد وبمقارنته على ما يعانيه في الحياة حتي إذا ارتضت نفسه همومه عاد الي بيته قبل أن يحين الفجر للصلاة .

كم كانت سعادة عزرائل وفرحته عندما وجده يجلس وحيدا في ركن القهوة البعيد المظلم تتغشاه سحائب الدخان المتصاعد من افواه وانوف رواد القهوة وكانها تخدر اوجاعهم فلا يشعرون لها بالالام ، كانت صورة عشماوي ترتسم علي الحائط المقابل كتمثال كبير برأس مدبب واذنان عريضتان وجسد هرمي الشكل علي صفحتي الكتاب ، وكعادة عزرائيل عندما يجده غارقا في تفكيره فيضرب اذنه بطرف جناحه مداعبا ثم يجلس بجواره في هدوء منتظر الي رد فعله مبتسما ، ومن عمق انخراط عشماوي في التفكير وشروده استيقظ من غفوته مذعورا ثم وقف في عر يبحث حوله عمن تسبب في هذا الارتباك قائلا " مين .. مين ... مين؟ "

ولكنه عاد الي مجلسه مرة اخري في هدوء عندما شاهد صديقه عزرائيل يجلس بجواره مبتسما فقال لائما ما فعل

- انت مش هاتسيبك من شغل العيال ده ؟

نظر اليه عزرائيل مبتسما ثم ارتقع صوته بضحكة صاخبة ارتج لها المكان، نظر اليه عشماوي قائلا في غيظ وحنقة

- انت بتضحك؟ انا عمري ما شفت عزرائيل بيضحك؟

رد عليه عزرائل في عدم اكتراث ولا مبالاه

ومش هااضحك ليه؟ ايه في الدنيا يخليني ابكي عليها لا مركز ولا مال ولا عيال ولاسلطان

رد عليه عشماوي في غيظ

- طبعا ما انت عايش في السماء لا عيال ولا زوجه بتنكد عليك حياتك في المسا والصباح ولا بتفكر في اكل ولا شرب ولا حتي مصاريف المدارس والدروس الخصوصية للعيال، ولا آخر الشهر ها تلف وتدور حوالين نفسك على ما تحوش أو تلاقي حد يسلفك الإيجار"

سأله عزرائيل في هدوء "ودة اللي مزعلك قوي كده؟"

نظر اليه عشماوي في غيظ قائلا

" طبعا هو في اكتر من كده "

نظر عزرائيل اليه وهو يقول بسخرية

- يوووووووووه ، الدنيا فيها بلاوي كتير ، طيب انت عايش هنا في بلدك في وسط عيالك واهلك ودارك وناسك

سكت عزرائل قليلا ثم قال متنهدا




- نفسي اخدك معيا في رحلة كده حول العالم افرجك علي بلاد الدنيا والناس اللي بتندفن تحت التراب ، والارواح اللي بتزهق في لحظات وكأنها اسراب من العصافير تطير الي السماء ، لقد كلت يداي من تسجيل الاسماء وانهدت قواي من كثرة الذهاب والاياب ، هذا ما يفعله الانسان باخيه الانسان هلاك وضمار وخراب

ابتسم عشماوي وهو ينظر اليه في مرارة ثم سأله

هل بتحزن علي ما تقابله من افعال البشر بعضهم لبعض؟

ابتسم عزرائيل في سخرية قائلا

- نعم، السنا جميعا خلق الله ملائكة وانس وجان، إن ملائكة السماء تأن حزنا علي ما يدور في الارض من خراب ودمار وهلاك وما يفعله الانسان باخيه الانسان

عندئذا ساله عشماوي بمكر

إذا ما رايك في من يتسببون في هذا الخراب والدمار ؟

ابتسم عزرائيل وقد ادرك مقصد عشماوي من هذا السؤال

اتقصد ما تسمونهم قادة وزعماء؟، وتلبسونهم عباءة البهاء والسلطان؟

اجاب عشماوي في لهفة

نعم

سكت عزرائيل قليلا ثم قال في صوت مليئ بالحزن

- اظن فيهم الملاك وفيهم ايضا الشيطان ، واظن أن منهم من هو اشر من الاشرار ومنهم من تعلوا درجته مع الصدقين والشهداء والابرار ويدخلون الجنة بغير حساب

اخذ عشماوي نفسا عميقا ثم قال متنهدا

إذا تتفق معي علي أن خلاص الارض منهم لهو قمة العدل والانصاف؟

اجابه عزرائيل في ثقة

نعم اتفق معك في هذا ، ولكن سبق القلم أن لكل اجل كتاب ، وانهم يمهلون الي يوما تشخص فيه القلوب والابصار

هز عشماوي راسه في سخرية قائلا

وعلي أن ياتي هذا اليوم سيكون دمار الارض علي ايديهم قد آل

ابتسم عزرائيل وقد اراد أن يستدرج عشماوي في الكلام فسأله قائلا

هل لو كنت مكاني ماذا كنت ستفعل؟




اجابه عشماوي في حسرة

لو كانت لي اجنحة مثلك وقوة في قوتك واعرف اسرار مهنتك ؟

اه ؟

كنت لفيت الدنيا كلها اجمعهم منها فردا فردا ما ابقيت عليها ظالم ولا فاسد ولا مرتشي ولا باغ – ونقيت الدنيا من المفقسدين والظالمين وكل من تسول له نفسه أن تسئ الي اخيه الانسان وخليت الارض احسن من الجنة لا فيها ظالم ولا طاغ ولا باغ وخليت الناس كلهم يعيشو في حب وسلام

ابتسم عزرائل وسئل صديقه عشماوي مداعبا .

إذا فلن تبقي علي الارض إنسان؟

ياسلام ، للدرجة دي؟

يا عشماوي الظلم درجات حتى ولو كان في داخل الانسان ،

سكت عزرائل قليلا ثم سئل عشماوي في مكر

ما هي وظيفتك ؟

نظر اليه عشماوي في شك وريبة قائلا

انا عشماوي

ايوه عشماوي ، انا عارف انك عشماوي ، بس انت بتعمل ايه ؟ بتشتغل ايه ؟

باقوم بشنق المذنبين والمجرمين والخارجين عن القانون والفجار

ساله عزرائل في ثقة

– ده كلام عال، اسمع يا عم عشماوي ياللي بتشنق الناس ، ها اسالك سؤال "

اجاب عليه عشماوي بثقة

" اتفضل وانا كلى انصات "

" هل تستطيع أن تشنق احدا من الناس قبل أن ياتيك امر المحكمة مهما كان ظلمة وجبروته ؟

هل تستطيع ان تعلق المشنقة لكل الناس؟

نظر اليه عشماوي في استغراب قائلا

طبعا لا، لازم حكم المحكمة وموافقة المفتي وتصديق الملك او رئيس الدولة علي هذا القرار

هز عزرائيل رأسه قائلا في لوم







هذا في الدنيا عندكم لا تستطيع أن تخالف امر إنسان مثلك ،

إذا قال اشنق هذا فسوف تنفذ الامر واذا عفا عنه فلا تستطيع شنقة،

اليس كذلك؟، اليس هذا صحيحا أم مداعبة وهزار ؟

هز عشماوي راسه بالموافقة وقال في تردد

نعم هذا كلام صحيح لكن ومفيهوش لا مداعبة ولا مزح ولا هزار.........

عندئذا قاطعه عزرائل موبخا له ولائما

إذا كان الانسان لا يستطيع تكسير أمر إنسان مثله فهل استطيع انا أن اعصي امر الله بان اقبض روح هذا او ذاك؟

سكت عزرائيل قليلا كاظما غيظه، ثم اكمل حديثه قائلا وهو يحاول أن يتمالك إنفعاله

إذا كنتم انتم يا بني البشر لا تستطيعوا أن تكسروا اوامر بعضكم بعضا فهل يستطيع ملاك مثلي أيا كانت مكانته وسلطانه أن يعصي امر الله وان يسير علي هواه ؟

نظر عشماوي الي حقيبة الارواح التي بجانبه فوجدها مليئة عن اخرها فقال مداعبا له في محاولة لتغيير مجري الحديث بعد أن شعر بجدية عزرائيل في الكلام –

بس انت حصيلتك النهارده كتير والشنطه مليانه عن اخرها ومافيش فيها مكان

هز عزرائيل راسه في سخرية قائلا

- دي حصيلة دقيقتين ، كام قنبله علي كام صروخ ارض جو علي كام مدفع رشاش وكام بندقيه الية دي في الشمال وكمان ساعتين ساخطف رجلي علي الجنوب هناك سد سينهار، تصدق أن جهاز الكمبيوتر اللي معايا مش ملاحق علي تسجيل الاسماء

ابتسم عشماوي وقال في ود

تصدق بالله يا عزرائيل انك شقيان بتجيب الارض من اولها لاخرها حتي الزقق والحارات وكمان الدكاكيين والحانات

جلس عشماوي يراقب عزرائيل وما معه من عدة قبض الارواح سواء القلم او الحقيبة او القرطاس وجهاز الكمبيوتر الذي احضره حديثا بعد أن ارتفعت نسبة ازهاق الارواح

سادت فترة من الصمت بينهما كان قد طلب عشماوي خلالها له كوبا من الشاي وكوب من اللبن الدافيء لعزرائل حتي تهدأ الاعصاب المتوتره ، جلس عشماوي يراقب عزرائيل وما معه من عدة قبض الارواح سواء القلم او الحقيبة وايضا القرطاس الذي استبدله بجهاز الكمبيوتر ولكن بعد ان جال بخاطره كيف يحصل علي مثل هذه الادوات

تحسس عشماوي جيوبه في دهاء فوجد عددا من الحبوب المهدئة تعود أن ياخذ منها حبتان قبل أن يترك القهوة ويعود الي منزله كي لا يشعر بما تقوله زوجته المصون وينام مرتاح البال فلا تستطيع له إيقاظ




وكعادة البشر ملئت عيناه بالخديعة والمكر واستغل عشماوي التفاتة عزرائيل وانشغاله بحركة البشر وافعالهم ووضع عدة اقراص من الحبوب المهدئه في كوب اللبن الذي امامه وتمنى ان ينام فلا تقوم له شمس ولا نهار

وبعد لحظات احس عزرائيل بثقل راسه ورغبة شديدة في النوم ، وبعد عدة دقائق اغمضت عيناه في نوما عميق،

وبعد أن حصل عشماوي علي ادوات قبض الارواح شعر بانه يطير في السماء ، وانه يكشف الارض بوضوح لا يحول بينه وبين الناس ظلاما ولا حجوزات ، ها هو القلم اصبح بين يديه وايضا القرطاس ، استبعد عشماوي الكمبيوتر لانه لا يعرف فيه شيئا الان ، ان عليه أن يسطر الاسم في القرطاس ثم يشير الي الروح فتصعد مستسلمة اليه في امان ، فيضعها في الحقيبة ويحكم عليها الاغلاق

ولكن الان بعد ان امتلك ع

شماوي هذه القوة والسلطان ، كانت حيرته شديدة ، فباي الارواح يبدأ وأيهن يختار؟

الروح الأولي

أن أول روح يجب أن يبدأ بها عشماوي هي روح زوجته المصون ، التي أزاقته الأمرين من العذاب والهوان واهدرت كرامته امام الاولاد وظلت تضغط عليه للاحتياج حتي اضطر أن يعمل عشماوي ثم حانوتي واخيرا قابض للارواح،

طار عشماوي وجال حول البيت فوجد ابنتاه الكبيرتان مازلتا مستيقظتان تذاكران ، بينما تمددا بقية الاطفال علي السرير المقابل متشابكي الرؤس والاطراف ،القي عشماوي عليهم نظرة سريعة ثم اتجه إلي حجرة زوجته فوجدها ممددة بعرض السرير تحملق بعينيها الي سقف الحجرة في انتظار عودته علي احر من جمر النار، نظر اليها عشماوي في تشفي وغل وقال محدثا نفسه

" ها هو اليوم قد جاء لكي اتخلص من شرك وانام مستريح البال، فلا اجد من يحاسبني في الرايحة ولا في الجاية، ولا عايزين ناكل ولا نشرب ولا مصاريف دروس خصوصية ولا لبس للعيال، ولا آخر الشهر عايزين الإيجار، أخيرا سوف القي بهذه الحبوب المهدئة من جيبي وأنام مرتاح البال "

امسك عشماوي بالقلم وفتح القرطاس ودون الاسم في تأكيد وتاني ثم رفع يده بالقلم مشيرا للروح كي تخرج في سلام فيتلقاها بيديه ثم يغلق عليها الحقيبة في تأكد من تمام العملية بأمان، وقبل أن يرفع يده سمع صراخ طفله الصغير قادما من الحجرة المجاورة وهو يفرك عيناه باكيا ويتعثر في خطاه ، هبت الزوجة مذعورة ثم قفزت من فوق السرير محتضنه الطفل ثم مسحت على راسه في حنان وهي تسأله في لهفة عن سبب البكاء ؟ أجاب الطفل عليها وقد غلب صوته البكاء بأنه يريد قليلا من الماء

أحضرت الزوجه له كوب الماء مسرعة ورفعته الي فمه فشرب حتى ارتوي ثم هدأ من البكاء ، ضمته الي صدرها ثم اعطته ثديها حيث حضنته في هدوء واطمإنان وهدهدت عليه في حنان حتى نام.. ارتعدت اوصال عشماوي وتضاعفت ضربات قلبه ، وفجاءة سقط القلم من يداه ،وهو يحملق الى السماء ، عندئذ سأل عشماوي نفسه







" كيف يقبض روح هذه الام وقد احتاجت اليها الاولاد .. إذا ماتت فمن يرعي هؤلاء الاطفال ؟ .. ومن يراقب بناته الكبار، انه يخرج من الصباح الباكر ولا يعود احيانا الا بعد منتصف الليل ..فمن يحافظ على البيت في استقرار"

أن عليه أن يسرع ويعدل عن هذا القرار .. ويغمض عيناه عما تفعل زوجته ويسد اذناه عما تقول ويتركها ترعي الاولاد ، ان عليه ان يكون اصم وابكم واعمي حتى تصل سفينة الحياة الى بر الامان فهي رغم جبروتها الا انها رمانة الميزان وشراع القارب الذي يحافظ عليه في قسوة الاعاصير وبين ضراوة الامواج دون أن يغرق أو ينهار "

امسك عشماوي بالقلم .. وقد انتابت جسده رعشة واهتزت يداه بالقرطاس .. إن عليه أن يمحوا اسمها قبل أن يجف حبر القلم .. ويكون قد نفذ القضاء .. وبعد أن محي الاسم من القرطاس .. هدأت اعصابه وصعد الي طبقات السماء .. حتي يبتعد عن هذا المكان الذي كان سيؤدي اندفاعه وتهوره الي يتم اولاده وتشردهم على الابواب والى غلطة رهيبة ليس لها اصلاح .. ترك عشماوي زوجته وقد تمددت فوق السرير محتضنة طفلها في ود وحنان وبعد أن هدئت الاعصاب . من قرار قبض روح زوجته المصون كان عليه أن يتريث ويفكر جيدا قبل أن يتخذ أي قرار في قبض أي روح من الارواح .. وان يفكر ويدرس ابعاده جيدا ولا يتسرع في اخذ القرار ..

---------------------------------------------------------

الروح الثانية

صال عشماوي وجال ، وفكر وقرر ، ثم اتخذ القرار ، فهذه الروح التي يريد أن يقبضها .. روح شريرة لا يحتاج عشماوي فيها الي تفكير ولا الى مراجعة ما سيسفر عنه مثل هذا القرار.. فلا رجعة في اتخاذ القرار انها روح عمدة كفر المغاربة التي نزح اليها ابوه حافيا القدمين تحت ظلام الليل وسكونه وفي قله من الناس وبعد أن طاب له المكان واصبح يملك في يده القوة والسلطان . مستندا الي عشيرته ومن يساندوه من اهل الغجر ساكني الجبال ، تحول الى النقيض فاذاق اهلها الوانا شتى من العذاب فقتل الاطفال واحرق الرجال وهدم البيوت وشرد اهلها في كل مكان ، فمنذ أن جاء الي البلد وهو لا يتوقف هو وعصابته عن شنه الهجوم علي القري المجاورة لهم للسرقة والنهب والتدمير والخراب .. لا ينفع معه ود ولا سلطان أن عليه أن يتجة اليه الان وسط حاشيته وسلطانه ..

ويقبض هذه الروح ويرمي بها الي النار، وبعد لحظات كان عشماوي يقف علي رأسه وقد امتد كرشه الكبير امامه واستند بجسده الثقيل علي وسادة من الحرير والدبياح وسط حاشيته يتجاذبون اطراف الحديث كيف يغيرون علي القري المحيطه بهم ليشيع فيهم الذعر والنهب والدمار.

امسك عشماوي بالقلم والقرطاس وسطر الاسم في ثوان ثم رفع يده مشيرا الي الروح فصعدت اليه مستسلمة في ذل وانكسار.. وما أن صعدت الروح اليه حتى قذف بها الي داخل الحقيبة واحكم عليه الاغلاق وبعد أن رآه جثة هامدة لا روح فيه ولا حراك وقد التفت حوله حاشيته يولون لفراقه في دهشة وحسرة صعد عشماوي الى طبقات السماء سعيدا بما انجز من عمل خلص به قريته والقرى التي حولها من مثل هذا الرجل مصاص الدماء ..

---------------------------------------------------------

الروح الثالثة

والان بعد ان اراح الناس من شر عمدة كفر المغاربة وتركهم ينصبون له صوان والعذاء

كان عليه أن يتجه الي الغجر جنوب البلد حيث كبيرهم الطفل المعجزة ، والذي يضع علي رأسه ريشة النعام ، ولا يرضخ الي قانون . ولا الي عرف . ولا الي اخلاق ، لقد اختاروه حاكما لهم بعد ابيه والذي اكلته كلاب الصيد في الجبال حيث سن قانون للناس مثل قانون الغاب والذي لايرضخ بغض النظر للتقاليد والعادات حتي عطلت الشعاثر الدينيه والعبادات فاصبحت المساجد والكنائس والاديرة ملهي للشياطين والفجار ..

أن عشماوي لو قبض مثل تلك الروح فقد اراح البلاد من شر تلك العصابة البلهاء،

هذا الرجل الذي يريد أن يطمس هويته العائلات اصيلة النسب ذات الجذور العميقة الممتده عبر التاريخ والازمان .. أنه يريد أن يطمس هويتهم ويمحوا تاريخهم وامجادهم وما لهم من فضل علي البلاد المجاورة عبر التاريخ والازمان ، فسن علي الناس قانون الغاب الذي يرتضيه وما ورثوه من عادات وتقاليد سيئه تتعارض مع مبادء الدين والاخلاق وما جبل عليه أهل البلاد من حسن الاخلاق وبعد أن اصبح علي مقربة منه امسك بالريشة فرمي بها علي الارض ثم امسك بالقلم وفتح القرطاس وسطر اسمه في لحظات ورفع يده مشيرا الي الروح .. فخرجت بسهولة مثل روح الاطفال

تلاعب عشماوي بالروح بين اصابعه ناظرا اليها في غل فكم اذاقت الناس امر العذاب

ثم قذف بها الي الحقيبة واغلق عليها الباب

ثم نظر الي جسده المسجي علي الارض وتمني لو يقطعه اربا فتاكله الكلاب الضالة والذئاب

فكم قتل من اطفال ونساء .. وهدم البيوت واحرق القري والبلاد وشرد ملايين الناس ، أن مثل هذه الموت اليسير لا يشفي حنق عشماوي علي هذا الرجل فانه لا يستحق الا حبل مشنقة او الرمي بالرصاص مثل الضال من الكلاب ..

وعلي كل حال فقد اراح الناس من شره ومن عصابته البلهاء واصبح الناس يمشون مطمانين في امن وامان

وبعد أن اراح الناس من كبير الغجر كان عليه أن يستريح .. ويفكر قليلا في تلك الروح التي سوف يقبضها .. والتي تستحق أن تخرج من هذه الدنيا فتريح اهلها وتجنبهم شرها وجبروتها وما قدمت لهم من ايذاء ..




الروح الرابعة

وبعد أن استراح عشماوي قليلا واحس ببعض النشاط هب واقفا بعد أن جائت الفكرة كيف يخلص الناس من شر عبده البقال ؟

ذاك المرابي الذي اذاق اهل القريه الوانا شتى من العذاب .. أنه يتذكره جيدا فلا يغيب عن مخيلته اول يوم حضر فيه الي القرية حافي القدمين يتواري خوفا من الناس، فاحتضنه جده العمده واستقطعه قطعة من الارض امام الدوار بني عليها كوخا صغيرا من الحطب




والقش كي يحميه من برودة الشتاء .. كانت تتجمع حوله بالليل اطفال القرية .. ليبيع لهم من الحلوى ما لذ وطاب نظير حفنة قليلة من الحبوب والغلال .. ثم يلملم ما جمع من الغلال ليقرضه للمحتاج من اهل القرية نذير زيادة قليله في المال ..

وبرغم ذلك كان اهل القرية يطعمونه من طعامهم في الصباح وكل مساء وعند جمع المحصول كانوا يعطونه من طيبات ما يخرج من ارضهم من حبوب او غلال .

وفي نهاية المحصول يبيع ما جمعه من غلال لمن يحتاج منهم وياخذ المال ليدفعها لمن ضاقت به سبل الحياة نظير ذيادة الارباح وبعد مجهود والحاح احضر له العمدة خطاب من البندر بانه المسؤل عن احضار تموين اهل القرية من البندر وايضا توزيعه علي الناس ومع مرور الايام والسنين تضاعفت ما ليته حتي اصبح من الاعيان وامتلك العديد من الاراضي والاطيان وبرغم ذلك استمر يقرض اهل القرية امواله بالربا واهل البلد يمدونه بطيب الطعام وايضا من طيب ما تخرج ارضهم من ثمار وغلال كعادة توارثوها عن الاباء والاجداد وهو ياخذها منهم دون اكتراث حيث ازدادت شراهته لجمع المال فكان قبل أن يحضر التموين من البندر وتحت جنح الظلام يستبدله بانواع رديئه لا تصلح لاستعمال حتى الحيوان سواء من زيوت او سكر او شاي حتي الالبان التي لا تصلح حتى لإطعام اللئيم من الحيوان ولا يبالي كم كانت بضاعته تسبب للناس من امراض وكم قتلت من اطفال ليأخذ الفرق بعضا من الجنيهات ,أن عليه أن يتجه نحو دكان عبده البقال حتي يخلص الناس من بلاه فما هو الا شيطان وبعد لحظات كان علي بعد امتار من الدكان .. كم كانت دهشته عندما وجده وقد اصبح كتلة من اللحم متحركة متساوية الاطوال والابعاد وقد تذايد وزنه وتضاخم كرشه امامه حتي كادت قدماه لا تقوي علي حمله الا ثواني معدودات، إنه لم يراه منذ سنوات طويلة منذ ان نزح من البلاد ، حيث كان ضعيفا لا يحمل هذا اللحم الكبير ، كان الرجل يمارس عمله ولكن في انفاس وكلمات متقطعة وقد ازدحم الدكان بالناس ، دار عشماوي حول راسه في الهواء دورتين ثم اخرج من جيبه القلم وقائمة الاسماء وفي لمح البصر سطر اسمه بخط واضح وامعان ثم اشار الي الروح فصعدت اليه ملبية النداء فادخلها الي الحقيبة واغلقها عليها الباب باطمانان ثم نظر اليه في تشفي وقد انهار جسده علي الارض واصبح كومة من اللحم وسط دهشة وزهول الناس

الروح الخامسة

نفض عشماوي يديه ثم وضع القلم والقرطاس بالحقيبة وطار منتشيا الي طبقات الهواء حتي استقر مباشرة تحت السحاب ، ومع ارتطام اول سحابه برأسه أحس بانتعاشة وقشعريرة تسري في جسده ، افاق عليها وتذكر ان تاثير القرصين المهدئين قد قرب علي الانتهاء ومازال لم ينجحز من العمل الا القليل ، فهناك من الارواح الشريرة الكثير والكثير قد تلوثت بهم الارض وضاقت بسيئاتهم السماء ، ويجب عليه ان يخلص الارض منهم حتي تعود الارض الي نقائها وصفائها كقبل ان يخلق ادم او يهبط عليها من السماء .







تداخلت الاسماء امامه ولم يعد قادرا علي تقديم احدا علي الاخر ، ولكن فجاءة تعلق ذهنه بعتريس شيخ الغفراء ، هذا الرجل قاسي القلب ميت الفؤاد والذي اذاق الناس مر العذاب ، ففرض عليهم اتاوات كبيرة نظير حمايتهم من عصابات الغجر وقطاع الطريق المنتشرين في كل مكان ، ومن يعصي اوامره او يرفض اتاوته يصلت عليه اصدقائه من الغجر فيحرقون داره او يقطعون زراعته او يسممون ما لديه من الدواب ، ان علي كل دار في القرية أن تحضر له عند نهاية المحصول كيلة او اثنين مما تجود به الارض عليهم حتي يأمن علي ماله ونفسه وأرضه وإلا تعرضت كل حياته للدمار والهلاك

لقد كان عتريس مقصدا لكل من يريد شرا بأحد ، فيحضر اليه طالب الثأر ليتوسط له عند قاتل مأجور حتي يأخذ ثائره نظير قليل من المال ، ويقصده من يريد الانتقام من صاحب او صديق او عدو فيؤجر له من يشفي غليله من خصمه فتسرق بهائمه او تحرق ارضه وزراعته ، كل ذلك نظير قليلا من المال كان يتقاسمه مع عصابته ومن يعرفهم من المجرمين والفجار ، وإذا ضاق به الحال وقل معدل الشر يبيع قريته لعدة عصابات فيعسون فيها فسادا حتي يلقوا في نفوس اهلها الخوف والرعب فيرضخوا لما يطلب من اموال وإتاوات وينزلون على اوامره صاغرين

وامام هذا الجبروت والطغيان تكاتف أهل القرية للخلاص من هذا الرجل الجبار فأحرقوا عليه داره اثناء نومه والقوا علي رأسه بحجرا كبير اثناء سيره بالطريق العام نقل بعدها الي المستشفي في غيبوبة كاملة فاقد الوعي وبعد ان شعر اهل القريه بريح الحرية والامان افاق من غيبوبته وعاد سليما واذداد جبروته وطغيانه اكثر مما كان وفتحت شهيته للانتقام

والان كان على عشماوي ان يخلص اهل قريته من مثل ذلك الرجل والذي اذدادت خطورته حدة فأصبح كالاخطابوط يرعب فيها كل انسان او حتى الحيوان

بحث عنه كثيرا حتي وجده جالسا في غرزة المعلمة سماسم الغازية وسط عصابته في مكانا مقطوع متطرف بعيدا عن الناس كان المكان معبقا برائحة الدخان والتي تخرج من افواههم وانوفهم متراكمة مثل مداخن مصانع الطوب الاحمر ، إنتابت عشماوي نوبة من السعال الشديد واحس بضيق تنفس وصعوبة في استنشاق الهواء فتراجع الي السماء مسرعا حتي وصل الي طبقات الهواء النقي ، لقد شعر بصعوبة المهمة ومدي خطورتها وسط ذلك الجو المعبق بالدخان ، هل يتراجع ويتركه لحاله حتي يحكم الله ؟

أم يتحامل علي نفسه ويخلص الناس من شروره ولو كلفه ذلك حياته كلها ؟

حتي يستريح اهل القرية من شره وأذاه؟

وهل إذا تراجع عن اكمال مثل هذه المهمة فهل ستحين له فرصة اخري ليمتلك مثل هذه القوة والمقدره علي قبض الارواح؟ ،

لقد اضاع بفعلته هذه وسرقته ادوات قبض الارواح من صاحبه عذرائيل ما كان بينهما من صداقه وارطبات للابد ، فليس من المعقول ان ينسي عذرائيل ذلك له او يسامحه عن فعلته تلك . ولذا اصر عشماوي علي ان يكمل مأموريته حتي لو كان هذا الرجل وسط بحر الظلمات ،




ارتقي عشماوي عارجا الي السماء عدة اميال ثم اخذ نفسا عميقا ملأ به صدره ثم اغلق فمه ووضع اصابعه علي انفه كاتما انفاسه مثل الذي يغوص في الماء ، وفي سرعة البرق اخترق سحائب الدخان المتصاعدة هابطا اليه بعد ان سطر اسمه في القرطاس ليتلقي روحه عند خروجها حتي لا تتيه وسط سحائب الدخان وفي لمح البصر صعد بها الي السماء وبعد ان قذفها داخل الحقبيه واغلق عليها الباب ارتقي صاعدا الى السماء حتى وصل الي طبقات الهواء النقي ففك عن انفه واخذا نفسا عميقا مستنشقا الهواء النقي ولكنه لم يسلم من حشرجة في التنفس ونوبة من السعال الحاد لبعض حظات كادت ان تاتي على ما بقي من حياته ، وبعد ان زالت عنه الازمه وهدأت انفاسه القي عليه نظرة فوجده قد تمدد بين اصدقائه من رواد الغرزه ووقفت المعلمه سماسم تلطم خديها وتنوح وتولول علي فقدانها اعز الاصحاب ومن كانت تعيش في كنفه وفي حماه .

---------------------------------------------------------

الروح السادسة

والان ، عليه أن ينأى بعيدا عن المدينة ويذهب الي تلك الضواحي الراقية ذات القصور الجميلة والفيلات المحاطة بالحدائق الغناء ، ليقبض روح ذلك الرجل الافاق ، رجل الاعمال وربيب المال الحرام، الشوادفي ابو الهنا ، انه لم ينسي يوما ما لاقاه منه من مهانة ومذلة عندما الم به الزمن واعتصره الفقر والحاجة بعد ان نزح من قريته نزولا علي رغبة زوجته وهاجر الي المدينه ليس له دخلا الا عدة جنيهات ، يتلقاها اخر الشهر لتذوب بين يدي زوجته في دقائق معدودات ، وامام الحاح زوجته على ايجاد حل لهذه المشكلة وخاصة بعد ان انقطعت عنه المعونات والامدادات منذ وفاة والداه ،

بحث طويلا عن عمل حتي وجد اعلانا لوظيفة حارث امن عند رجل الاعمال الشوادفي ابوا الهنا ، هذا الرجل طريد القرية لسوء سلوكه وبلطجته ، فتركها هاربا تحت جنح الظلام وانقطعت اخباره حتي تلك اللحظة فلا يعلم احد عنه شيئا ، احي هو ام مات؟،

لم تتغير صورته كثيرا عن الماضي وان امتلأ جسده بعض الشئ ،

ذهب اليه عشماوي وكله امل في ان يتذكره ويتذكر تلك الايام التي كان يعطف عليه فيها ويعيش في كنف اهله في امن وامان ،

ولكن قابله الرجل متجاهلا ما يقول ، لم يتغير كثيرا وان اذداد وجهه سوادا وامتلا جسده وانتفخ كرشه كثيرا فأصبح مثل برميل الماء،

لقد بهرعشماوي ما رأي ، اسوارا عالية ، بوبات مجنزرة وحراس امن ينتشرون في كل مكان ، تحمل احزمتهم جميع انواع السلاح ،من الكلاشينكوف وحتى صائد الدبابات، تلتف حولهم كلاب حراسة تقف علي اهبة الاستعداد ،

لفت نظر عشماوي كثرة ما يوجد بالفيلا من كلاب شديدة البأس والقوة تقف متأهبة لاي خطر داهم او حركة دون انذار حتى لو كانت شعرة على الراس يتلاعب بها الهواء أو ذبابة تطير في السماء،

وبعد مداولات ومحاولات مضنية مع الحراس بانه يعرفه شخصيا وقريب له من البلد ، لاقاه الرجل علي شاطئ البسين حيث كان ممددا لاخذ حمام شمس ، وقف عشماوي بين حارسي الامن ترتعد اوصاله محاولا ان يذكر الرجل بالماضي الذي كان ، وكيف كان هو




وعائلته عونا له من اضطهاد اهل القرية وسندا له في المصائب والازمات، وما كان تسببه تصرفاته من كوارث وازمات ، ولكن تنكر الرجل لما قال حتي معرفته به او بتلك الايام فهو سليل البشوات والبهوات وان جذوره تمتد الي الاتراك ،

وبعد ان يأس عشماوي سأله بانه يريد عملا ليساعده علي تربية الاولاد ، فاشار الرجل الي من معه من رجال امن بان ياخذوه ليعمل راعيا للكلاب ينظف اماكن نومهم ويمشط شعورهم ويقدم لهم الغذاء والدواء حسب الجدول والبرنامج الموضوع لهم من قبل طبيبهم الخاص والخبير الاجنبي والاستشاري في تربية الكلاب .

كان الامر في بدايته صدمة لعشماوي ،ابن الاصول الطيبة ، يرعى الكلاب ؟ فكيف يحافظ علي طهارته وسط هذا الكم من النجساء ؟ ، ولكن امام الحاجة وضغط الزوجة واغراء المرتب المضاعف والذي يعادل عشرات ما يلقاه من حراسته ليلا وحفاظه علي امن وسلامة الاف الناس ،

تسائل عشماوي متهكما ، ما الفرق بين حياة هذا الرجل وكل هؤلاء الناس ؟

اليسو مثله سواء بسواء ؟

ام خلق من طينة مختلفة والماء غير الماء ؟

والان بعد ان نال تلك الوظيفة الغراء : عليه ان يغمض عينيه عن نجاستهم وسوء ريحتهم ، وقد خفف عليه ما استلمه من زي يحول بينه وبين نجاستهم ، فبمجرد خلعه لتلك الملابس وخروجه من الباب يمكن ان يؤدي ما فاته من الصلوات .

ذلك الافاق الذي خرج من القرية طريدا تحت جنح الظلام بعد ان تفشى بين الناس بالنصب والخداع ، لقد لفظته القرية غير نادمة عليه ، وها هي تحتضنه المدينة كبيرا من كبرائها ورجل بر وتقوي مغمضة عيناها عما يقوم به من اعمال سواء النصب او السرقه او تجارة المخدرات حتي الاغذية الفاسدة وانتهاء بنوادي الليل والقمار ، واخيرا الانتاج التلفزيوني والسنيمائ لينشر بين الناس ما يعلمه عن الفضيلة والاخلاق،

لقد غضت المدينة عنه البصر دون استحياء وتناست افعاله امام قوة ما يملك من مال وسلطان

ذلك الصفر الذي تاه بين الارقام ، فاي صفر ذلك الذي بدء به ، اصفر بعد المليون ام بعد المليار؟ ، فمنذ عشرات السنين كان هذا الصفر علي اليسار لا قيمة له ، اما الان فان قيمته تفوق كل الارقام وتحركه من خانه الي اخري تعني الكثير والكثير من المال الحرام

لقد ارتضي عشماوي بالمذلة وان يكون راعيا للكلاب وان يعيش منغمسا في نجاستها طوال الليل او النهار نظير راتبه الكبير والذي يسد جوع ونهم زوجته التي لا تعرف من حياتها الا الاكل والشرب وطلب الاولاد

في الصباح يبدأ يومه بنظافة اماكن نوم الكلاب من القاذورات ثم ياخذهم للحمام ، وبعد الحمام يقدم لهم الفطور من اشهي المأكولات والتي لم يسمع عنها في كتب او مجلات ولم تمر بخاطره في يوم من الايام ولا حتى مرت عليه في الاحلام،

فيجلس أمامهم متحسرا علي ما يقدمه لاولاده من طعام، كثيرا ما تمنى ان تنال اولاده عشر ذلك الطعام حتي لو تحولوا الي كلاب,




ولكنه تذكر انهم سوف يكونون مثل الكلاب الضالة أو كلاب الفقراء لن ينالهم الا ما رم او عفن من الطعام او ما قذف به من الفضلات والقاذورات ولن ترحمهم ركل الناس لهم بالاقدام مع أبشع اللعان والسباب،

لقد كانت رفاهية لاولاده يحسدون عليها ويسعدون بها حينما يجتمع علي فطورهم فول وطعميه وقطعة جبن يتخاطفونها ويتعاركون عليها مثل الغربان، ولكن ينتهي الغموص قبل ملاء بطونهم فياكلون العيش حاف ، وعندما تشعر الام بانهم سوف يطلبون المذيد من الطعام وقبل ان يفرغ العيش من بين ايديهم ويقرب علي الانتهاء تعاجلهم الام بتأخرهم عن ميعاد المدرسة وتذكرهم بما يلاقون من عقوبة لتأخرهم عن الميعاد ..

فيهرعون الي حقائبهم متناسين جوعهم حتي يعودوا في المساء ..

وعند عودتهم تتلكأ الام في اطعامهم بحجة ان الطعام لم ينضج بعد وما زال على بابور الجاز حتي يتأخر الميعاد فيجتمع الغداء والعشاء في وجبة واحدة فلا يجرأ أحد منهم علي طلب العشاء لتداخل الاوقات،

كان يتحسر علي ما يفيض من الكلاب من طعام قد لوثوها بنجاستهم يكفي ثمنها لاطعام مئات الفقراء من الناس،

ود لو يحمل ما يفيض منهم من اكل ليري اولاده ما تطعم به كلاب السادة والبشوات ، ولكن كان يمنعه نجاسة ما بقي منهم من طعام وايضا خوفه من تمرد العيال علي ما يقدم لهم من طعام لا يصلح الا لاطعام الضال من الحيوان ،

فيلقي ما تبقي منهم من طعام في سلة الزباله وقلبه يفيض حسرة والما علي ما يفعله في اولاده من جرم سوف يحاسب عليه امام الملك الديان ،

حاول كثيرا ان يخفي بين طيات ملابسه بعض من ذلك الطعام قبل ان تلوثه السنة الكلاب ولكن كان يتم ضبطه عند البوابه وقبل ان يتخطى اجهزة الانذار،

وبعد تكرار السرقة منه عدة مرات ، تم عرضه علي الكبير والذي لم يتواني في فصله من العمل وطرده خارج الاسوار، ليعود عشماوي الي زوجته منكسا رأسه ونادما علي فقده تلك الوظيفة وضياع هذا المبلغ من بين يديه الذي كان يسد رمقا من جوع الاولاد،

ولكن لولا فضل الله عليه وستره وقبوله القيام بعمل عشماوي لانكشف ستره وتدهورت احواله المعيشية ولم يكن امامه الا الجلوس امام المسجد يتلقي الصدقات من الناس ، حتي يكفي تلك الافواه الجائعة وما تعودت عليه اسرته من رفاهيه وارتفاع مستوي معيشتهم خلال تلك الشهور والايام ،

والان ، لقد تغير الحال واصبح هو الذي يملك في يده ان يبقيه في هذه الدنيا حيا ام يلقي به في ظلمات القبر ميتا بلا نفس ولا حراك ولتاكل جسده الديدان ، ولكن الافضل ان يخلص الناس من شره ويكفيه ما قدم لهم من امراض وما ساهم فيه من فساد للاخلاق ، يكفيه تلك الايام الخوالي التي سعى فيها فسادا في الارض وعليه الان ان يخرج من هذه الدنيا ليلاقي عذابه في قاع جهنم يتلوي فيها من شدة اللهيب والنار .




كانت الفيلات في هذا الحي متشابه ومتماثلة فكما تماثلت في الشكل تماثلت ايضا في ان تجمع بين جدرانها شرور الناس ولكن لتردد عشماوي عليها اثناء عمله راعيا للكلاب عرفها بكثرة ما فيها من كلاب ، لم يبحث عنه طويلا، بل وجده ممددا تحت اشعة الشمس الدافئة بجوار البسين تحيط به فتيات جميلات شبه عاريات تنساب قطرات الماء من شعورهن واجسادهن ناصعة البياض كي يشبع نقصا لديه لانه ليس ككل الرجال ، لم يهتم عشماوي بما يدور بينهم من حديث او يتسمع الاخبار فسطر اسمه في كشف الوفايات ورفع يده مشيرا للروح بالخروج ، ولكن فجأة تسمرت يداه عندما شاهد الهرج والمرج يدب في أنحاء الفيلا وجنبات الحديقة وعربيات الشرطة تحيط بالمكان ، طابور من ضباط الشرطة والجنود يلتفون حولها وينتشرون خلال طرقاتها اخذين وضع الاستعداد ، تقدم الضابط منه وقدم له أساور الحديد تلف معصميه وساقه أمامه يتزاحم أمامه المصورون ورجال الأعلام ،

انزل عشماوي يده مترددا ، أيقبض روحه أم لا ؟

انه لو قبض روحه الآن لأراحه من عذاب الدنيا ولكن عليه أن يتركه حيا لينال مصيره من العذاب

ثم علي حبل المشنقة إن عاجلا او أجلا سيلقاه .

الروح السابعة

والان بعد ان قرب الوقت علي الانتهاء ولم يبقي منه الا دقائق معدودات حتي يفيق عزرائيل من غفوته وينتهي تاثير الحبوب المخدرة ، كان علي عشماوي مهمة اخيرة يجب ان ينجزها قبل ان يضيع ما معه من قوة وسلطان ، فرصة أخيرة لن يجود عليه بها الزمان ، إنها مهمة صعبة وأخيرة سوف تحمل عليه من المشاق مالا يتحمله انسان ، لقد فاض الكيل به وطفح الميزان ولم يعد بالامكان احسن مما كان ، ان عليه ان يمر علي عائلته الكبيرة ، ذات الحسب والنسب ، وذات الجذور الممتدة عبر التاريخ والازمان ، وان يختار من اعمامه وابائهم من كانوا دائمي الخصام والشقاق وان يخلص العائله من شرورهم ، الذين تجمدت عقولهم وتحجرت صدورهم وكلت افئدتهم فأصبحوا مثل الاصنام ، فعاشوا في ذكريات الماضي وعلي امجاد الاجداد وتناسوا الحاضر والمستقبل وما به من تحديات ، فمنهم من دفع بابنائه للفتك باخيه واهلاك حرثه ونسله وقتل الاحفاد ، ومنهم من فرق بين ابنائه واوقع بينهم العداوة والخصام فدفعهم الي الشر حتي اصبحوا دائمي الاقتتال ، ومنهم من كبل ايديهم وارجلهم وكمم الافواه وتركهم محبوسين في الظلمات لا سميع ولا منادي ولا منقذ لملهوف او مستغاث ، ومنهم من باع ميراثه واهله وترك ابنائه جياعا وارتحل بما جمع من مال ينثره تحت اقدام الغوازي والعاهرات ، ان عليه ان يخلص العائله من اشرارهم والمفسدون منهم من باع اهله وتكالب مع الاعداء، حتي ينشئ جيلا جديد يعيش في حرية ورخاء يربط الماضي بالحاضر ويعيد لاهله مجدهم القديم وذكريات جدهم العمدة الكبير ولا ينسي عدوهم من الغجر ومن حالفهم المتربصين بهم من كل اتجاه ، حتي يعيد لديارهم سيرتها الاولي ، فتكون الديار مقصد عون لمن احتاج وملجأ امنا لمن فقد







الامن والامان وتكون دار عدل لمن ظلم ودار عون لمن جار عليه الزمان ، ويزيل جدار الخوف من النفوس ويهدم ما بناه اعدائهم من حوائط وجدران فكانت سببا لامراضهم وجهلهم وجعلهم دائما خلف الركبان

ــــــــــــــــــــــ

( الروح الثامنة )

والان بعد ان اصبحت الدنيا بيضاء غير ملوثة بالمفسدين والأشرار، كان هناك وعلي بعد عدة اميال شخص مهم وله من الأهمية بمكان، فبرغم انه لم يقدم علي اذي او اسائة لانسان ، إلا ان حنق عشماوي وحقده علي ما يقدم من عمل جعل عشماوي يمتلئ فؤاده غيظا وحقدا عليه ، انه الكبير ، والمسؤل عن جمعية الرفق بالحيوان ، كثيرا ما رأه يتحدث علي شاشات التليفاز بوجهه الضاحك المبتسم شارحا للناس وموضحا كيف يتعامل الانسان مع الحيوان ، وكيف يكون سلوكه معه ، كيف يصاحبه ويتودد اليه كأنه صديق حميم ، كيف يواسيه اذا حزن ، وكيف يطعمه اذا جاع وكيف يعالجه إذا مرض وكيف يكون رحيما به اذا الم به الجوع والمرض ، وكيف يصل به الي بر الامان اما الموت الهادي او الشفاء التام

ولكنه لم يسمع يوما احدا تحدث عن جمعية للرفق بالانسان ، كيف يطعمه اذا جاع او يكسوه اذا عري او يعالجه اذا مرض ، وكيف يحميه اذا المت به النوائب وانهالت علي رأسه المصائب من كل مكان، كيف يحميه إذا تهدمت مساكنه أو انهالت على رأسه الدانات، كيف يستر سوئته إذا حرقت أجساده أو يلملم أشلائه إذا مزقتها أعيرة النيران، وكيف يواريه التراب

ان الدموع تنهال انهارا علي فقد حيوان وتتحجر القلوب وتتجمد الدموع في الاواقي حتي لو رات مدنا تحرق وتدمر والاف من البشر يدفنون تحد الانقاد اموات واحياء.

اليس الانسان الا حيوان ؟

الم يعرفوا الانسان في قاموسهم أنه حيوان ؟

امن اجل كلمة واحدة لا ينطوي تحت لوائها الانسان وترفض عضويته كل الهيئات ؟ ، ليتنا نصبح صما وبكما حتى تقبل عضويتنا في جمعية الرفق بالحيوان، ليتهم يقطعون الستنا فنفقد الكلام ونتساوي مع الحيوان في الحقوق والواجبات ،

ليتهم يرفعوها من القاموس ويقبلوا عضويتنا الي هذا العالم السعيد ، عالم الحيوان ، لنجد الطعام مجانا والملبس مجانا والمسكن مجانا وعندما نمرض او نموت نجد من يظرف علينا الدموع ، دموع الحزن مجانا

ان علي عشماوي ان يقبض روح هذا الرجل ليس انتقاما منه ولا لعداوة أو كراهية بينهما معاذا الله ، ولكن حقدا علي هذا العالم ، ذاك العالم المرفه السعيد ، عالم الحيوان ، لما يقدمه البشر اليهم من مساعدات وهبات ، تقدم بلا ديون ولا ضمانات لا تقدم ذرة منها الي بني الانسان،







ان عليه ان يتخلص من هذا الرجل فتصبح الجمعية بلا راعي او كبير فيتيهون وسط البني أدمين ولا يجدون من يدافع عنهم او يطالب بحقوق لهم فتتساوي الرؤس ويتفرق دمهم علي جميع الهيئات,

إنك لا تستطيع ان تركض كلبا ضالا في الشارع او قطة تائة وإلا عرضت نفسك للسجن والاهانات ، وارتفعت عليك من كل صوب اصوات السب واللعنات ،وربما ترفع ضدك قضايا في محاكم العدل الدولية لانتهاكك حرمة الحيوان ، ولكن اين هي حقوق الانسان ؟ الا يتساوي مع الحيوان ؟ انك

لا تسمع همسا اذا ضرب الانسان بالمدافع الرشاشه ولا حتي الرؤس النووية أوالدانات،

ليتهم يركلون الانسان ياقدامهم مثل ركلهم للحيوانات ويتركوه حيا لعائلته وابنائه ، ليتنفس بينهم امل الحياة،

انه يريد ان يري في هذا العالم المرفه ، يري فيه ما يراه في بني الانسان من عذاب وهوان ، ولذلك عليه ان يسرع بقبض روح هذا الرجل حتي يتيهون في الارض فيشعرون بالمذله والمهانه التي يلاقيها الانسان ، فتتساوي الرؤس وتعتدل كفتا الميزان،

لم يكن البحث عن الرجل امر صعبا او مستحيلا ولكن وجده في لقائه التلفزيوني كعادته ، يقف مبتسما ومتفاخرا بما يقدمه لهذا العالم من خدمات وانجازات لم تقدم لبشر ولا يحلم بها انسان ،

فهذا حمار وحشي من ادغال افرقيا قد تأكل فخذه وكسرت ساقاه بعد ان انفرد به اسدان ضلا الطريق ، حيث تم انقاذه من بين انيابهما والان قد تماثل للشفاء بعد ان رم جسده وبعد ان كان محفلا للدود والذباب بعد ان قدم له احدث العلاج وافخر انواع الطعام .

وذاك قطا بريا قد نهش جسده وتمزقت ساقاه بعد صراع ضار بينه وبين عدد من الكلاب الوحشية ، اجريت له عدة عمليات جراحية وتم تجميل الوجه والأنف والاطراف حتي عاد احسن مما كان .

وهذا كلبا قد اتي به من شرق اسيا بعد ان رموه في الاوحال ، قد كف بصره اثر معركة غير متكافئة بينه وبين ثعلبين بريين مزقا جسده وفقأ عينيه ورمي به في الأوحال بين الموت والحياة

تم انقاذه وارساله في طائرة خاصة الي ارقي المستشفيات ليعالجه فيها اكبر الاطباء وبالمجان

كان الكلمات تخرج من فيه وكأنها طلقات من الرصاص تخترق جسد عشماوي فتمزق فؤاده حسرة وولعا علي ما يلاقيه الانسان من اخيه الانسان .

لم يتحمل عشماوي ان يطول الحديث اكثر من ذلك والا ادي به الي الانتحار ولذلك اسرع فسطر اسمه في عجالة واشار للروح فأتت اليه في سلام فادخلها الي الحقيبه واغلق عليها الباب

وقبل أن يغادر المكان، القي عشماوي نظرة علي جسده الممدد وسط دهشة المذيعه الجميلة التي لطمت خديها صارخة، وقد التفت حوله الحيوانات تتشمم رائحته لتتبين أحي هوأم مات

( النهاية )

استيقظ عزرائيل من نومه مذعورا ونظر في يديه فلم يجد بها عدة قبض الأرواح لا الكيس ولا القلم ولا القرطاس، نظر عزرائيل إلي صديقه عشماوي في ريبة فوجده ماسكا بهم وقد ملئت الحقيبة عن أخرها وازدحمت بالأرواح، جذب عزرائيل الحقيبة من بين يديه بقوة وهو يقول في غيظ

ماذا فعلت ؟

نظر عزرائيل الي الحقيب الممتلئة وقال متحسرا

لقد ملئت الحقيبة عن أخرها بالارواح ؟

ابتسم عشماوي في هدوء وهو يناوله القلم قائلا

لفيت لفه بسيطة كده علي الأرض، لميت فيها بعض الأرواح الشريرة والمفسدة والتي تسببت في دمار وهلاك الناس وكانت سببا في شقائهم

رد عليه عزرائيل وشرار الغيظ يتطاير من عينيه

ولكني قلت لك إننا لسنا جهة قضاء وفصل بين الناس، إحنا بنفذ الأوامر التي تصدر إلينا فقط

ولكن عشماوي هز رأسه في رضا عما فعل قائلا دون مبالاه

" بس هذه الأرواح كانت لا بد أن تخرج من الأرض وان تطوي بها صفحات الزمان، حتى ينساهم الناس وينسوا ما قدموا لهم من آلام وأحزان"

نظر اليه عزرائيل في غضب قائلا

" أنت بهذه الفعلة تعديت القانون والنظام وظلمت نفسك وظلمتني معاك"

امسك عزرائيل بالقلم مسرعا وفتح القرطاس وبدء في محو الأسماء والتي لم يجف الحبر عليها ، ولحسن الحظ كانت الاسماء مازالت خضراء فما زال الحبر لم يجف عنها بعد ، وبعد ان محي عزرائيل كل ما سطر عشماوي في القائمة من الأسماء فتح الحقيبة وأشار للأرواح فخرجت الواحدة تلو الاخري بسلام ، حيث طارت جميعها إلي السماء حتي استقرت في أجساد أصحابها مرة أخري وعادت لهم الحياة .

وبعد أن اطمئن عزرائيل من عودة كل الأرواح وتلبسها بالأجساد وتأكد علي ما بقي من القائمة من أسماء ،صاح في صديقه موبخا ومأنبا إياه ، وأنا صداقتهما قد انتهت عند هذا الحد ولا يمكن لها الاستمرار ، واقسم باغلظ الأيمان ألا يأتيه مرة ثانية فالإنسان هو الإنسان قد جبل علي الغدر والخيانة فلا يعرف للصداقة طريق ولا للوفاء عنوان ، ولولا أن له لقاء أخيرا معه ، فلن يعود إليه مطلقا ولا يرغب في رؤياه مهما طال الزمان.

امسك عشماوي بتلابيب كتفه متوسلا وهو يردد




" أرجوك لا تتركني يا عزرائيل ، لا تتركني فأنت صديقي الوحيد في هذه الحياة ، صدقني أنا بحبك، بحبك يا عزرائيل"

ابتسم عزرائيل ونظر إلي عشماوي مشفقا عليه ثم هزه من كتفه فاستيقظ عشماوي مذعورا من غفوته وهو يردد

إيه ، إيه ، في إيه يا عزرائيل

ابتسم عزرائيل قائلا

الظاهر انك كنت بتحلم

نظر عشماوي إلي يديه في دهشة قائلا

بحلم ، بحلم أزاي ؟

أجابه عزرائيل مبتسما

ايوه بتحلم ، وعمال تقول ما تسبنيش يا عزرائيل ، أنا بحبك يا عزرائيل

تنهد عشماوي في حسرة ثم اخذ نفسا عميقا بعد أن ملاء صدره الغيظ وهو يقول في حسرة

هو ده كله كان حلم؟ ،

يعني أنا كنت بحلم ؟، ياااااااااااه ، باريته يكون حقيقة

ثم سكت عشماوي قليلا وقال هامسا في نفسه

" تصدق يا عزرائيل إن ده الحلم الوحيد في حياتي اللي أتمنيت انه يكون حقيقة، "

ثم سكت قليلا وقال في خسرة

"ويا ريته يتحقق".

(تمت)

#الأمين_الإخباري










تعليقات