عندما تضطرب#فرنسا يصبح للأزمة مبررات.. وعندما تواجه#مصر التحديات تبدأ الاتهامات
بقلم الدكتور برهان الدين محمد
دعونا نتحدث بصراحة، بعيدًا عن التجميل والشعارات المحفوظة، لأن طريقة تناول الأزمات في بعض الخطابات السياسية والإعلامية تستحق وقفة حقيقية فالمشكلة ليست في انتقاد الحكومة المصرية، لأن النقد حق أصيل، وإنما في التعامل مع مصر وكأنها الدولة الوحيدة في العالم التي لا يجوز أن تخطئ، أو تتأثر بأزمة دولية، أو تواجه اضطرابات داخلية، بينما عندما تقع الأحداث نفسها في دول أوروبية كبرى، تبدأ التفسيرات بالحديث عن الظروف والتعقيدات وطبيعة المرحلة.
لننظر إلى فرنسا، إحدى الدول الأوروبية المتقدمة وصاحبة الاقتصاد الكبير والمؤسسات العريقة فقد شهدت خلال السنوات الماضية موجات من الاحتجاجات العنيفة وأعمال الشغب والتخريب والنهب، وتدخلت السلطات الأمنية خلالها لتوقيف أعداد كبيرة من الأشخاص في فترات زمنية قصيرة، وسقط مصابون من الشرطة والمتظاهرين، كما تعرضت متاجر وممتلكات خاصة للتكسير والسرقة، بما في ذلك متاجر لعلامات تجارية عالمية شهيرة مثل «لوي فيتون» و«رولكس».
بمعنى واضح، فإن الدولة التي تمتلك اقتصادًا متقدمًا ومؤسسات قوية وأجهزة أمنية وإمكانات ضخمة ليست محصنة ضد الفوضى، ولا تمتلك عصًا سحرية تمنع كل أزمة من التحول إلى مشهد صعب على الأرض وعندما يحدث ذلك في فرنسا، تبدأ التفسيرات.. وعندما نتحدث عن مصر، تختفي كل التفسيرات!
عندما تقع اضطرابات في فرنسا، نسمع الحديث عن الاحتقان الاجتماعي، والأسباب الاقتصادية، والغضب الشعبي، وتأثير الأوضاع الدولية، وتعقيدات المشهد، وأنه لا توجد حلول فورية لجميع المشكلات.
لكن عندما نصل إلى مصر، يبدو أن هذه التفسيرات لم تعد صالحة! فلا توجد ظروف دولية، ولا حروب تؤثر في الاقتصاد العالمي، ولا اضطرابات في أسواق الطاقة، ولا ضغوط على التجارة والنقل، ولا شيء اسمه أن دولة يمكن أن تتأثر بأحداث تقع على بُعد آلاف الكيلومترات.
المطلوب ببساطة أن تكون كل الأمور مثالية، وألا ترتفع الأسعار، وألا تقع الأزمات، وأن تُنفذ المشروعات دون تكاليف، وألا يتأثر الاقتصاد بأي صدمة، وأن تُحل كل مشكلة فورًا وإذا لم يحدث ذلك، يصبح كل شيء دليلًا على الفشل والانهيار!
وعندما تندلع حرب في منطقة الخليج أو في أي منطقة مؤثرة في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، فمن الطبيعي أن تمتد آثارها إلى دول بعيدة عن ساحات القتال فأسعار الطاقة والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد لا تتوقف عند حدود الدول المتحاربة، والاقتصاد العالمي ليس مجموعة من الجزر المنفصلة التي لا يؤثر بعضها في بعض.
وهذا لا يعني إعفاء الحكومة المصرية من المسؤولية، ولا يعني أن كل ارتفاع في الأسعار سببه الخارج، ولا أن المواطن مطالب بالصمت عن معاناته لكنه يعني أن التحليل الجاد يجب أن يميز بين تأثير الأزمات العالمية وأخطاء الإدارة المحلية.
أما تجاهل جميع العوامل الخارجية، ثم محاسبة مصر وكأنها تعيش في عالم منفصل عن بقية الدول، فليس نقدًا اقتصاديًا متكاملًا، وإنما انتقاء للوقائع بما يتناسب مع الموقف السياسي.
وشهدت مصر خلال السنوات الماضية تنفيذ مشروعات قومية كبرى، من بينها العاصمة الإدارية الجديدة، ومشروعات الطرق والبنية التحتية، ومشروعات النقل الحديثة، ومنها المونوريل.
ومن حق المواطنين أن يناقشوا أولويات هذه المشروعات وتكاليفها وعوائدها الاقتصادية، وأن يسألوا بوضوح: هل حققت العائد المطلوب؟ وهل انعكست على مستوى معيشة المواطنين؟ وهل أُديرت الديون بالكفاءة اللازمة؟
كل هذه أسئلة مشروعة، ولا يحق لأحد أن يمنعها لكن غير المنطقي أن يُنظر إلى وجود هذه المشروعات باعتباره دليلًا على أن مصر يجب ألا تتأثر بأي أزمة، أو أن تُستخدم أي أزمة باعتبارها دليلًا على انهيار كل شيء، دون النظر إلى طبيعة التحديات الاقتصادية والظروف المحيطة.
المشروعات الكبرى ليست حصانة من الأزمات، والديون ليست نجاحًا في حد ذاتها، والبنية التحتية ليست بديلًا عن زيادة الإنتاج والصادرات والاستثمارات وفرص العمل وفي الوقت نفسه، فإن وجود أزمة اقتصادية لا يعني أن كل مشروع نُفذ بلا قيمة، أو أن جميع الجهود السابقة يجب تجاهلها.
المعيار الحقيقي هو النتائج والعوائد، وليس الشعارات، سواء كانت هذه الشعارات مؤيدة للحكومة أو معارضة لها.
ليس مطلوبًا منا أن نؤيد الحكومة المصرية في كل قراراتها، أو أن نعتبر كل مشروع إنجازًا بلا حساب، أو أن نبرر ارتفاع الأسعار وضغوط المعيشة لمجرد أن العالم يمر بأزمات بل المطلوب هو محاسبة واضحة، وأرقام دقيقة، وشفافية، وسياسات اقتصادية تخفف الأعباء عن المواطنين.
لكن في المقابل، ليس مقبولًا أن نستخدم معيارين مختلفين؛ معيارًا للدول التي نعتبرها متقدمة، ومعيارًا آخر لمصر وليس منطقيًا أن تصبح الاضطرابات في الخارج أزمة لها أسبابها وظروفها، بينما يتحول أي اضطراب محتمل في الداخل فورًا إلى حكم نهائي على الدولة بأكملها.
كما أنه ليس من المنطقي تصوير تغيير الحكومة أو النظام السياسي باعتباره حلًا تلقائيًا لجميع المشكلات الاقتصادية، وكأن الأسعار والديون والإنتاج والاستثمار ستتغير بمجرد تغيير الأشخاص، دون برنامج اقتصادي واضح ومؤسسات قادرة على إدارة المرحلة.
الدول لا تُدار بالأمنيات وحدها، والاقتصادات لا تتعافى بالهتافات وحدها، والتغيير السياسي لا يمثل ضمانًا تلقائيًا لتحسن حياة المواطنين.
فرنسا لديها مشكلاتها، ومصر لديها مشكلاتها، وكل دولة يجب أن تُحاسب على أخطائها وقراراتها ونتائج سياساتها.
لكن قبل أن يتخيل البعض أن أي اضطراب واسع في مصر سيكون مجرد نزهة، وأن كل شيء سيمضي بمنتهى الهدوء، وأنه لن تتعرض المتاجر للتخريب أو الممتلكات للنهب أو الخدمات للتعطيل، يجب أن نتذكر أن الواقع لا يُكتب بالشعارات، وأن نتائج الأحداث الكبرى ليست دائمًا تحت سيطرة من يبدأونها.
ليس معنى ذلك أن نخاف من النقد، أو أن نبرر الأخطاء، وإنما أن نتوقف عن بيع الأوهام للناس، وتصوير الحلول المعقدة وكأنها قرارات بسيطة يمكن أن تعالج جميع المشكلات في لحظة
#الأمين_الإخباري

تعليقات
إرسال تعليق