#السيادة ليست محل جدل.. كيف صنعت الشائعات قصة#منع_الشرطة من دخول#مراسي؟
بقلم الدكتور برهان الدين محمد
لم تكن الساعات الماضية مجرد اختبار لسرعة انتشار الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل كانت اختبارًا لقدرة المتابعين على التمييز بين المعلومة الصحيحة والرواية المفبركة فقد انتشرت مزاعم تزعم أن قوات الشرطة لا تستطيع دخول إحدى المناطق السكنية الشهيرة، في رواية سرعان ما أثارت جدلًا واسعًا، قبل أن تصدر وزارة الداخلية بيانًا رسميًا تنفي فيه هذه الادعاءات بشكل قاطع، مؤكدة أن ما جرى تداوله لا أساس له من الصحة، وأن أجهزة الدولة تمارس اختصاصاتها القانونية في جميع أنحاء الجمهورية دون استثناء.
اقرأ أيضا صبري نخنوخ عندما ينتصر القانون
القضية في ظاهرها قد تبدو مجرد شائعة جديدة تضاف إلى مئات الشائعات التي تنتشر يوميًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن التوقف أمامها يكشف عن أبعاد أكثر خطورة تتعلق بطريقة صناعة الأخبار الكاذبة، وكيفية استغلال الخلافات الاقتصادية أو الإدارية وتحويلها إلى قضايا تمس هيبة الدولة وسيادتها، في محاولة لإثارة الرأي العام وإشعال حالة من الجدل دون سند من الواقع ومن الطبيعي أن تسعى الصفحات التابعة لجماعة الإخوان أو المنصات التي تتبنى خطابًا معاديًا للدولة إلى نشر مثل هذه الروايات، فهذا النهج ليس جديدًا، إذ تعتمد هذه المنصات منذ سنوات على تضخيم الوقائع واختلاق أحداث غير صحيحة بهدف التشكيك في مؤسسات الدولة وإثارة البلبلة، لكن المثير للانتباه أن بعض الأشخاص الذين لا ينتمون إلى هذه المنصات، بل يُفترض أنهم يمتلكون قدرًا من الثقافة والوعي، تعاملوا مع هذه المزاعم باعتبارها حقائق، وأعادوا نشرها دون محاولة التحقق منها أو انتظار الرواية الرسمية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن أن يصدق البعض رواية تتعارض مع أبسط المبادئ التي تقوم عليها الدولة الحديثة فالسيادة ليست مفهومًا قابلًا للنقاش أو التفاوض، بل هي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها أي دولة ومن غير المنطقي تصور وجود منطقة داخل الأراضي المصرية لا تستطيع أجهزة إنفاذ القانون دخولها أو ممارسة اختصاصاتها فيها فالقانون يسري على الجميع، ومؤسسات الدولة مسؤولة عن تطبيقه في كل شبر من أراضيها، دون تمييز أو استثناء.
ومن يتابع طبيعة عمل أجهزة الدولة خلال السنوات الماضية يدرك أن مفهوم السيادة يمثل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف فلا يمكن السماح بقيام كيان مغلق أو منطقة خارجة عن سلطة القانون، لأن ذلك يتناقض مع أسس الدولة ذاتها ولهذا فإن الادعاءات التي تتحدث عن وجود أماكن محظور على الشرطة دخولها تبدو بعيدة تمامًا عن الواقع، ولا تستند إلى أي منطق أو دليل والمفارقة اللافتة أن الجهات نفسها التي تروج لمثل هذه الشائعات هي التي اعتادت في مناسبات أخرى اتهام الدولة بأنها تفرض سيطرتها على كل شيء وتمارس رقابة مشددة على مختلف القطاعات ، وهنا يظهر التناقض الواضح في الخطاب فإذا كانت الدولة بحسب زعمهم تسيطر على كل صغيرة وكبيرة، فكيف يمكن في الوقت نفسه الادعاء بأنها عاجزة عن دخول منطقة داخل حدودها إن الجمع بين الروايتين يكشف أن الهدف ليس البحث عن الحقيقة، وإنما استخدام أي رواية تحقق الانتشار وتثير الجدل، حتى لو كانت متناقضة مع ما سبق الترويج له.
كما أن قراءة خلفية الأزمة تشير إلى أن أصل الموضوع لا يتعلق من الأساس بقضية سيادة أو صلاحيات أمنية، وإنما بخلافات مرتبطة برسوم أو إجراءات تنظيمية تخص عددًا من الملاك داخل المنطقة ومثل هذه الخلافات تحدث في كثير من المجتمعات السكنية، وقد تشهد اعتراضات أو مطالبات بتعديل بعض الرسوم أو اللوائح، لكنها تظل خلافات إدارية أو مالية تُحل وفق القوانين واللوائح المنظمة، ولا تتحول تلقائيًا إلى قضية تمس سيادة الدولة أو سلطاتها غير أن وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا ما تمنح بعض الأطراف فرصة لإعادة صياغة الوقائع بصورة أكثر إثارة، فيتم إضافة الكثير من المبالغات والادعاءات لجذب الانتباه وتحقيق أكبر قدر من التفاعل فبدلًا من الحديث عن خلاف حول رسوم أو إدارة مجتمع سكني، يجري تقديم الأمر باعتباره صراعًا بين الدولة ومنطقة مغلقة، وهو طرح يحقق انتشارًا سريعًا لأنه يعتمد على الإثارة أكثر من اعتماده على الحقائق.
وتكمن الخطورة في أن قطاعًا من الجمهور أصبح يتعامل مع أي منشور متداول باعتباره حقيقة مكتملة، دون الرجوع إلى المصادر الرسمية أو انتظار نتائج التحقيقات أو البيانات الصادرة عن الجهات المختصة وفي ظل السرعة الكبيرة التي تنتشر بها المعلومات على المنصات الرقمية، تتحول الشائعة خلال ساعات إلى رواية يرددها آلاف الأشخاص، حتى وإن ثبت لاحقًا عدم صحتها ولعل الدرس الأهم من هذه الواقعة أن الوعي المجتمعي أصبح عنصرًا أساسيًا في مواجهة حملات التضليل، فالمستخدم العادي لم يعد مجرد متلقٍ للمعلومات، بل أصبح شريكًا في نشرها أو وقف انتشارها وكل مشاركة لمنشور غير موثق قد تساهم في ترسيخ معلومة خاطئة وإرباك الرأي العام، بينما يظل التحقق من المصدر والرجوع إلى البيانات الرسمية هو السبيل الأكثر أمانًا للوصول إلى الحقيقة.
إن حماية المجال العام من الشائعات لا تقع على عاتق مؤسسات الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي المواطنين وإدراكهم لخطورة تداول المعلومات دون تدقيق فالدول لا تُقاس فقط بقوة مؤسساتها، وإنما أيضًا بقدرة مجتمعاتها على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الخبر الموثق والرواية المصنوعة لتحقيق أهداف سياسية أو إعلامية وفي النهاية، تبقى هذه الواقعة نموذجًا جديدًا لكيفية صناعة الشائعات في العصر الرقمي، حيث يمكن لخلاف محدود أن يتحول إلى قضية رأي عام بمجرد إضافة رواية مثيرة تفتقر إلى الدليل لكن التجارب المتكررة تؤكد أن الحقيقة، مهما تأخر ظهورها، تظل أكثر رسوخًا من أي شائعة، وأن الوعي والنقد والتحقق من المصادر هي الأدوات الأكثر فاعلية في مواجهة حملات التضليل والحفاظ على ثقة المجتمع في مؤسساته.
#الأمين_الإخباري

تعليقات
إرسال تعليق